رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حضارات يلفها الغموض (2)

في الأناضول جنوبي تركيا التي يعتبرها المؤرخون مهد الحضارات بعد الاكتشافات الأخيرة، نشأت حضارة عظيمة قبل تسعة آلاف سنة تدعى "شانتال هويوك"، بدأها الإنسان ببناء أكبر مجمع في ذلك الوقت، يحلو لعلماء الآثار تسميته "باريس العصر الحجري" تميز بتصميمه الفريد، فقد بنوا من الطين بيوتا متراصة مستوية الأسطح على شكل خلايا النحل، خالية من الشوارع أو الطرق الأرضية مزينة بالجماجم المرصعة بالصدف ورسومات ملونة! ويتنقل أصحابها عن طريق السطوح من خلال سلالم تصعد بهم للأعلى، والمدهش أن أبواب منازلهم عبارة عن فتحات في السقف! ورغم أن حضارتهم قامت قبل العصر الحديدي وعصور الكتابة، إلا أن آثارهم تدل على أنهم برعوا في الفن والرسم بالألوان، وأدوات منزلية نحتت بعناية فائقة، فكيف تمكنوا من ذلك؟ والسؤال الآخر كيف انتهت هذه الحضارة العظيمة؟ يقول المؤرخون إن اختفاءها ربما يكون بسبب مشكلات التخلص من النفايات والفئران التي غزت المنازل، وتباطؤ نمو مواشيهم وتعرضها للأمراض، ناهيك عن الحصاد الذي لم يكن وفيرا كما كان متوقعا، وهكذا بدأت أول أعراض أمراض المدنية، التسوس وتكلس الأسنان وآلام المفاصل. وعلى ضفاف المسيسبي وقريبا من ملتقى الأنهر الثلاثة‏ ميسيسيبي وميسوري وإيلينوي.‏
وفي عام 600 قبل الميلاد نشأت حضارة "كاهوكيا" أو "مدينة الشمس" التي تضمنت نحو 50 مجتمعا وامتدت لتغطي مساحة تزيد على 13 كيلومترا مربعا،‏ وتميزت حضارتهم ببناء 120 رابية كل واحدة منها يقارب ارتفاعها الطوابق العشرة، كأكبر تجمع منشآت أرضية (ترابية) في فترة ما قبل التاريخ وهي تشبه الأهرامات. ويقدَّر أنهم نقلوا نحو 1.5 مليون متر مكعب من التراب والحجارة لبناء كل تلك الروابي!‏ وفي عام 1250 كان التعداد السكاني لحضارة "كاهوكيا" يقارب التعداد السكاني لكل من "باريس" و"لندن"!
وتعد من أوائل المراصد الفلكية، حيث أحاطها أهلها بعشرات الأهرامات ومجموعة من المباني الدائرية لمراقبة حركة النجوم، وأعمدة خشبية لتتبع حركة الشمس لمعرفة الوقت!
وبحلول عام 1500 ب‌. م،‏ صارت «كاهوكيا» مهجورة.‏ فماذا حدث؟‏ وما السبب في انهيار أكبر تجمع سكاني؟ يظن بعض العلماء أن «كاهوكيا» عانت كثيرا من المشكلات الاجتماعية التي تعصف بالمدن العصرية،‏ كالتلوث والاكتظاظ السكاني ورداءة نظام الصرف الصحي وربما الصراعات المدنية.‏ ولكن بما أنه لا يوجد أحد على قيد الحياة من سكان «كاهوكيا» ليخبرنا عن ماذا حل بهم،‏ ستبقى هناك ألغاز كثيرة تبحث عن حل!
إذًا لم يكن الإنسان في العصر الحجري بدائيا يلتحف فرو الحيوانات ويقطن المغارات كما كنا نعتقد، بل كان على درجة عالية من التنظيم مكّنه من إنجاز كل هذا العمران وبناء نموذج اجتماعي تبنته الحضارات الحديثة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي