باحثة سويسرية: شبكات التواصل صعّبت مهمّة الوصول إلى الحقيقة

باحثة سويسرية: شبكات التواصل صعّبت مهمّة الوصول إلى الحقيقة
باحثة سويسرية: شبكات التواصل صعّبت مهمّة الوصول إلى الحقيقة

"على الرغم من تطوّر الوسائط الاجتماعية وتوسّع استخدامها، مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب"، لا يزال للصحافي المحترف دور اجتماعي مهم في الواقع". كانت هذه خلاصة أطروحة دكتوراه أنجزتها أخيرا فيتّوريا ساكّو، الباحثة السويسرية في أكاديمية الصحافة ووسائل الإعلام في جامعة نوشاتيل. لتؤكد في نهاية بحثها العلاقة التكاملية بين العمل الصحافي التقليدي والوسائط الاجتماعية.

###علاقة تكامل

وللوقوف على خلاصات هذا العمل الأكاديمي، أجرت "سويس إنفو" حوارا مع الباحثة التي شددت خلاله على أن مواقع التواصل الاجتماعي تظل مثل أي أدوات أخرى "لها إيجابيات وسلبيات تتحدد بحسب طريقة الاستخدام والغرض منه". فيتوريا ساكّو ولدت في ميلانو عام 1988. وحاصلة على البكالوريوس في العلوم الاقتصادية. أنجزت أطروحة الدكتوراه بعد التحاقها بأكاديمية الصحافة ووسائل الإعلام بنوشاتيل، حيث انشغلت بدراسة تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الممارسات الصحافية. كما شاركت ساكّو في عديد من المؤتمرات العلمية الدولية، ونشرت كثيرا من المقالات في الدوريات والمجلات المتخصصة. وتشتغل فيتوريا حاليا أستاذة مساعدة في أكاديمية الصحافة ووسائل الإعلام التابعة لجامعة نوشاتيل.

حول ظهور شبكات التواصل الاجتماعي وانتشارها، وإذا ما بقي هناك مكان لـ "الصحافة المهنية" تقول فيتوريا ساكّو: نعم بالتأكيد فشبكات التواصل الاجتماعية لم تيسّر مهمّة الوصول إلى الحقيقة على الجمهور. صحيح أن بلوغ الخبر والمعلومة قد بات أسهل من قبل، ولكن أصبحت هناك ظاهرة ما يسمى "الإفراط المعلوماتي" (infobesity). كيف لي أن أعرف من بين كل هذه المساهمات ما يحظى منها بمصداقية وما دون ذلك. مع الأسف الفرد ليس له الوقت، وفي بعض الأحيان لا يمتلك الأدوات/ المعرفة الكافية للتثبّت من المعلومة، وحتى لا يسقط في هذا المحيط المتلاطم من المعلومات. هنا يكون دور الصحافة المهنية دورا محوريا. واستنادا إلى التجربة وقواعد المهنة، يستطيع الصحافي المحترف إضفاء النظام على تلك المساهمات، والتمييز بين الموثوق منها والمفتعل الكاذب.
إيجاد التوازن

كيف يمكن للصحافيين التكيّف مع الأدوات الجديدة دون التنازل عن أخلاق المهنة أو السقوط ضحية التلاعب والغش؟ سؤال يشغل بال كثير من الصحافيين؛ إذ "تحتوي هوية الصحافي الناشط في مواقع الوسائط الاجتماعية على نوع من التوتّر" وفقا لساكو. فمن الناحية النظرية، فإن الصحافي المنخرط في الشبكات الاجتماعية مدعو إلى المشاركة في النقاشات العامة، وإبداء موقف ووجهة نظر مما هو مطروح، ولكن أخلاقيات المهنة، وفي بعض الأحيان قواعد العمل التي تنصّ عليها هيئات التحرير، تطلب من الصحافي بدلا من ذلك أن يظلّ محايدا. من الصعب في هذه الحالة إيجاد توازن صحيح.
#2#
وتضيف "فيتوريا" في الوقت الراهن، ليست هناك قاعدة سحرية. البعض يقوم بالتمييز بين صفته المهنية وصفته الشخصية، إما من خلال احترام القواعد التي تفرضها المؤسسات الإعلامية التي يتعاملون معها، وإما عن طريق الاختيار الشخصي للصحافي نفسه. لكن هناك أيضا من يعمدون إلى الخلط بين هوياتهم المهنية وهوياتهم الشخصية من دون تعريض صورتهم أو صورة المؤسسات الإعلامية التي ينتمون إليها إلى الإساءة أو التشويه. ولكن الأسلم بحسب فيتوريا، أن توجد لوائح متضمنة معايير توجيهية تضع النقاط على الحروف، وتحمي الصحافيين من الأخطار التي تمثلها الشبكات الاجتماعية. وأما فيما يتعلق بالتلاعب والخداع، فترى أن مفتاح الحل يكمُن في التجربة والخبرة. وفي النهاية، فإن شبكات التواصل الاجتماعي هي مجال للتحقيق والتثبّت مثل غيرها، حيث يجب علينا أن نكون على بيّنة أيضا من أخطار الإنترنت عموما.

###خلق الضجيج

ولا تستبعد الباحثة اليوم وجود "مؤامرات" أو استراتيجيات مدروسة بعمق في مجال الاتصال تضعها فرق متخصصة من أجل لفت الانتباه إلى محتوى معيّن أو لمجرد خلق ضجّة (أفضل مثال المشاهدة الواسعة التي حظي بها فيديو كوني 2012)، مشيرة إلى أن كل شيء ليس شفافا كما يمكن أن نعتقد، أو كما كان عليه الوضع في البداية، وهذا ينطبق على شبكة الإنترنت بصفة عامة. في البداية، كانت هناك رغبة حقيقية في إنشاء "أغورا" Agora (سوق عكاظ) يتاح فيها للجميع التعبير الحر عما يختلج في خاطره وفي ناظره، ولكن الشعوب اكتشفت تدريجيا الإمكانات الحقيقية التي تتيحها هذه الشبكة، والتي كانت وكالات الاستخبارات أوّل من اهتم بها، أما الأشخاص العاديون فلم يُدركوا يوما ما يجري في "أعماق هذا الأخطبوط"، الذي يمارس تأثيره فيهم بشكل غير مباشر.

وتسوق الباحثة هنا التوتّر الذي كان على أشدّه بين شركتيْ جوجل ويوتيوب العملاقتيْن كمثال. فبين هذه الشركات وبعض الحكومات حدث أن طالبت بعض الحكومات بغلق بعض الحسابات، وما كان من هذه الشركات إلا أن استجابت لذلك، كما تم حذف أشرطة فيديو عنيفة جدا، ثم أعيد نشرها في نهاية المطاف لأنها اعتبرت "شهادات تاريخية" على النضال من أجل الديمقراطية. كل هذا بحسب الباحثة يثبت أن للشبكات الاجتماعية أيضا جانبا مظلما، ولكنها مثل أي تكنولوجيا، يعتمد الأمر على طريقة استخدامها (... ) كما تشير الباحثة إلى أن تأثير شبكات التواصل الاجتماعي يختلف من بلد إلى آخر. وعلى ذلك تورد مثالا ملموسا: في بلدان مثل البلدان الأوروبية، حيث يوجد تشبّع كامل بالمعلومة، من الأرجح ألا تكون الشبكات الاجتماعية بالقدر نفسه من الأهمية التي تكون عليها في أمريكا اللاتينية أو البلدان النامية.

###إنتاج المعلومة

ولا يفوت فيتوريا التأكيد على أهمية العمل الصحافي الحرفي في إنتاج معلومة مُحايدة ومتكاملة حول أسباب الحروب والنزاعات ونتائجها. فبإمكان شبكات التواصل الاجتماعي إثراء وجهات النظر وتعدد الأصوات، لكن العمل الصحافي يظل هو هو وإن تغيّرت الوسائط والأدوات. ويظل هدفه تقديم معلومات موثوقة وحماية حرية التعبير. الجديد اليوم هو أن هذا العمل بات يتطلّب السرعة والبيئة التي يعمل فيها الصحافي اليوم هي أكثر تعقيدا، كما أن الرهانات متعددة خاصة على المستوى الاقتصادي.

وتختم الباحثة بتأكيدها على أن الوقائع ونتائج البحث تبيّن أن على الصحافيين مساعدة المواطنين في الحصول على معلومات ذات مصداقية، لكن الصحافي لم يعد "حارس البوابة" أو "حارس المعلومة"، بل مجرّد مرجع أو مؤشّر أو منتج للمعنى. لم يعد الصحافي هو من يُنتج الخبر لأنه متاح على شبكة الإنترنت، ولكنه هو من يؤكّد مصداقيته أو ينفيها، ومن يشير إلى درجة تمثيله للواقع وتأثيره فيه. لكن الوظيفة الأساسية للصحافي في النهاية هو وضع المعلومة في سياقها لمساعدة المتلقي على ربح الوقت وحمايته من التلاعب والخداع المحتمليْن، أو من الرقابة أو التضليل. وباحترام هذه الوصفة، تضيف فيتوريا، يصبح الصحافي الجهة الوحيدة التي تمتلك الأدوات لعرض الحروب والنزاعات القائمة في كل تعقيداتها ورهاناتها.. أي الوسيط والقيّم على جميع الفاعلين الذين يسعون إلى فرض روايتهم للوقائع بكل السبل بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي.

الأكثر قراءة