التعذيب دون لمس

للصوت تأثير في نفوس البشر، فكل صوت حولك يؤثر فيك فيبعث فيك الهدوء والسكينة، أو يستفزك ويثير غضبك، وآخر يدخل في أعماقك ويغيّر في كيميائية جسدك وعقلك، هذه الخاصية للأصوات تنبّهت لها المخابرات الأمريكية واستخدمتها في السجون والمعتقلات لتعذيب السجناء وتحويلهم إلى كائنات هزيلة يسهل التحكم فيها ونزع الاعترافات منها، خصوصا مع توافر عوامل مساعدة، مثل الأضواء الشديدة ومدى قوة الصوت وتكراره.
فتعريض السجين يومياً وعلى مدار ساعات للموسيقى الصاخبة المليئة بالضجيج يشعره بالغضب ويبدأ في الصراخ وعندما يتوقف الصوت يستمر عقله في إكمال جلسة التعذيب بترديد الأصوات بالرتم نفسه وبلا هوادة؛ ما يجعله على حافة الجنون وينهار نفسياً (مثل ما يحدث اليوم مع المخدرات الصوتية أو الرقمية)!!
يقول أحد الأسرى في السجون الإسرائيلية: كان من أصعب الأساليب التي مُورست ضدّي، الموسيقى الصاخبة، لم أكد أسمع صراخي، وإذا ما ذهبت للراحة في نهاية الأسبوع تبقى أصوات الموسيقى تتردّد على مسامعي على الرغم من توقفها، أمر قد يقودك للجنون.
ويتم اختيار الموسيقى بناءً على أسس وقواعد منها:
- أن تكون مسيئة لدين السجين.
- مسيئة لثقافته وثقافة بلاده.
- أن تكون صاخبة ومصحوبة بصراخ.
- أو أن تكون رتيبة إلى حد الملل.
والغريب أن من ضمن الأغاني التي يستخدمونها، الأغاني المخصّصة للأطفال لتعليمهم وإرشادهم مثل أغنية "بارني" الرتيبة وأغنية "شارع السمسم".
وميزة هذا النوع من التعذيب أنه لا يترك أي أثر على السجين، حيث ينهار تماما دون أن يستطيع الادعاء أنه تعرّض للتعذيب (تعذيب دون لمس)، يقول أحد المختصّين في هذا المجال من FBI: إن تسليط ضوء شديد على السجين وإرغامه على الاستماع لموسيقى صاخبة مدة 16 ساعة يومياً على مدار أربعة أيام متتالية كفيلان بتدميره نفسياً وعصبياً وجعله غير قادر على التفكير!!
واستُخدم التعذيب بالصوت قديماً، ففي أثناء الحرب العالمية الثانية كانوا يجعلون الطائرات تدنو من الأرض ليُثير صوتها الهادر الرعب والفزع في قلوب المدنيين وتتحطّم معنوياتهم قبل تدمير مدنهم!!
وفي معسكرات التعذيب الألمانية كانوا يضعون أجراساً ضخمة فوق رأس السجين وبحركة واحدة من المحقق قد يتسبب صوت الجرس في هز السجين ويتغلغل في دماغه ويدمّره! أما في حرب فيتنام فقد استخدمت أمريكا الضجيج لبث الرعب والخوف في نفوس الفيتناميين بوضع مكبرات الصوت على ظهور الجنود والطائرات!!
وعاد الضجيج للظهور على السطح أخيراً؛ بسبب رفع فرقة موسيقية كندية تُدعى "سكني بوب" التي اشتهرت بموسيقاها الصاخبة والمقزّزة، قضية على إدارة السجون الأمريكية لدفع غرامة تقدّر بقرابة 700 ألف دولار؛ لاستخدامها موسيقاها دون إذن مسبق منها، واعترف أحد عازفي الفرقة بقوله: كنت أعلم أن موسيقانا ستستُخدم يوماً لمثل هذا الغرض، فهي مزعجة ومثيرة للاشمئزاز!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي