انتكاس المناصحين
أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة المنتكسين من خريجي دورات المناصحة بلغت 12 في المائة. برنامج الأمير محمد بن نايف للمناصحة هو فكرة رائدة تهدف إلى تحقيق المطلوب من خلال تخليص الأشخاص من الرواسب الفكرية التي ملأ بها رؤوسهم آخرون، فاندفعوا يمارسون أعمال عنف ضد إخوانهم ووطنهم.
إن أخذ الحقوق لا يكون بالقوة أبداً خصوصاً عندما يسود القانون، والإقناع بالآراء لا يمكن أن يستخدم السلاح أو العنف لأنهما مخالفان للمنطق. عندما تسود هذه القناعة، يجد المرء نفسه ملزماً بمقارعة الفكر بالفكر. عندها نصل إلى مستوى التفضيل الذي أراده الله لبني آدم.
ترسيخ هذه القناعة في عقول مَن دفعوا لمحاولة إيصال الرأي بالعنف، هو هدف البرنامج، لكن البرنامج يتجاوز ذلك ليفتح عيون المخدوعين على حقائق ما يراد لهم من الفتنة والإفساد في البلاد، وهو ما يضر أول ما يضر دينهم وأهليهم وأنفسهم.
رأى البعض أن المناصحة غير مجدية، وأن الأولى هو التخلص من هؤلاء، غير صحيح، بل قد يكون فيه ظلم لكثيرين من المناصحين.
لكن هل نرضى ببقاء 12 في المائة من المناصحين ضمن دوامة العنف والإرهاب والتفكير الضال؟ لا أعتقد أن هذا مقبول خصوصا أن البرنامج يدعو إلى مفاهيم نابعة من أسس الدين وأصوله الراسخة. إشكالية مهمة هنا هي أن هؤلاء هم من اكتشفنا انتكاسهم؛ ما يعني أنه قد تكون هناك "خلايا نائمة" لا يصرح أفرادها بقناعاتهم علانية.
هنا يبرز سؤال مهم هو: كم النسبة الحقيقية لمَن انتكسوا فكرياً دون إعلان أو وصول إلى العمل الفعلي؟ دفعني لهذا السؤال ما شاهدته من أحد كبار المناصحين في إحدى القنوات الفضائية من تمجيد لقيادات الإخوان في مصر.. حتى إنه حين راجعه المذيع في رأيه، أصرّ عليه.
إذا فهناك حالة من عدم التمحيص في فكر المناصِحين وتوجهاتهم. معلوم أن جماعة الإخوان لها تأثير سابق وحالي في عدد كبير من "المتدينين" السعوديين؛ خصوصاً مَن تربوا على يد هؤلاء خلال عقود طويلة. فإذا أضفنا هذا إلى أسلوب الجماعة في إخفاء النيّات وعدم الثقة بمَن لا ينتمون إليها، وما كشفته تحقيقات جريمة "الدالوة"، نكتشف أهمية مراجعة قوائم العاملين في المناصحة لضمان ملاءمتهم لمهمة وطنية كهذه.