مراهنة «أمريكا» على إيران وحلفائها رهان على الطائفية
مع ظهور ما يُسمى "داعش" في حزيران (يونيو) الماضي في العراق، وجدت الولايات المتحدة نفسها في الخندق نفسه مع إيران في حربهما ضد المنظمة الإرهابية. فالبلدان اللذان يعود الخلاف بينهما إلى عام 1979 تاريخ قيام جمهورية الملالي، توحدا في العراق حول أهداف مشتركة بما أن إيران كما الولايات المتحدة تدعمان الحكومة العراقية المركزية وتعتبران القضاء على "داعش" أولية ملحة.
فإزاء تعاظم قوة "داعش" رأت الولايات المتحدة نفسها مجبرة على الدخول من جديد في اللعبة السياسية العراقية. وعلى الرغم من إبعاد حليف إيران الأساسي رئيس الوزراء نوري المالكي عن السلطة إلا أن البلد لا يزال تحت التأثير الإيراني، والدليل على ذلك تسليم وزارة الداخلية التي تشكل واحدة من أهم الوزارات في الحكومة العراقية الجديدة إلى ممثل ميليشيا بدر في العراق المدعومة إيرانيا. "إن إسناد حقيبة الداخلية إلى محمد سالم الغبان، القيادي في منظمة بدر التي تعتبر من أكبر وأهم الميليشيات الشيعية سيئة السمعة، لا يبشر خيرا أبدا لهذا البلد"، وفق المحللة في مركز كارنيجي للشرق الأوسط مها يحيىفي في تقرير نشر أخيراً.
ولا شك أن إدارة إيران لأزمة "داعش" كانت أسرع بكثير من السياسة الأمريكية. فما إن تقدم تنظيم "داعش" باتجاه الموصل حتى أرسلت إيران تعزيزات بشرية وعسكرية إلى الحكومة المحاصرة في بغداد. كما توجه قائد قوة القدس، العميد قاسم سليماني، إلى العراق لقيادة القتال ضد "داعش"، وفق ما أوردته تقارير عدة. وذكرت وكالة "اسوشيتد برس" في أوائل شهر نوفمبر (تشرين الثاني) أن سليماني خطط لعملية جرف الصخر ضد "داعش"، ويُعتقد أنه أشرف على المعارك التي جرت في بلدة آمرلي المحاصرة في آب (أغسطس) وفي سامراء، المدينة الشيعية المقدسة، في حزيران (يونيو). وشارك إلى جانب سليماني، حسب ما ذكرته وكالة "أسوشيتد برس"، مستشارون من حزب الله كانوا يقدمون التوجيهات العسكرية على الخطوط الأمامية للميليشيات الشيعية العراقية التي تقاتل المتطرفين شمالي بغداد.
وعليه، يشكل انخراط إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية تعقيدا آخر في الحرب الحالية ضد "داعش". فالميليشيات الشيعية أثبتت فعاليتها في صد "داعش"، ما يفسر غض نظر الإدارة الأمريكية عن نشاطاتها وعن الجرائم الطائفية التي ارتكبتها بحسب تقرير صدر أخيراً عن منظمة العفو الدولية.
كما أنه "في الوقت الذي يعلم الجميع أن أسباب الصراع في منطقة الشرق هي الحكومات المدعومة من إيران التي تمارس سياسات قمعية أو في حالة الوضع السوري سعي النظام إلى إخضاع الغالبية القصوى من السكان، تستمر الإدارة الأمريكية بالاعتماد على الحكومات أو الأنظمة المدعوة من إيران لاحتواء المشكلة. إنما من غير الواضح كيف تأخذ الاستراتيجية الأمريكية هذه بالحسبان تطلعات وآمال الشعب السني كما يزعم الرئيس الأمريكي باراك أوباما." وفق الخبير في سياسات الشرق الأدنى من معهد واشنطن أندرو تابلر.
فبهدف تدمير "داعش"، اختارت الولايات المتحدة أن تتعاون بشكل غير مباشر مع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. كما أن النفوذ الإيراني تمدد نتيجة رغبة إدارة أوباما في الحفاظ على علاقات جيدة مع إيران على أمل أن يتم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي. وفي هذا السياق أشارت تقارير صحافية إلى أن الرئيس باراك أوباما أرسل كتابا إلى المرشد الأعلى الإيراني بشأن المفاوضات النووية والحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد المتشددين في العراق وسورية. وتعليقا على ذلك قال مايكل سينج، مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إن الهدف من رسالة الرئيس الأمريكي مزدوج: أولا إفهامهم أن أي تعاون بشأن "داعش" هو مرهون بالتوصل مع إيران إلى اتفاق بشأن النووي لديها وثانيا: تبديد المخاوف الإيرانية حول مصير حليفها الأساسي، الرئيس بشار الأسد".
غير أن هذه السياسة قد تكون مكلفة جداً في أزمة العراق وتفرعاتها السورية، حيث يتخذ الصراع الديني منحى شديد الخطورة مع زيادة حدة التوتر بين الجماعات المحلية أضف إليها جرائم "داعش" الوحشية التي تقابلها جرائم وحالة هيجان في صفوف الميليشيات الشيعية. ولا شك أن عمليات القتل الطائفية هذه ستبدد أي فرصة لتحقيق المصالحة بين السنة والشيعة في العراق.
أما لكي تتمكن أي سياسة أو معادلة أمريكية من النجاح، عليها أولا أن تكسب ثقة الشارع السني. علما أن السنة كانوا قد قدموا الدعم إلى التنظيم المتطرف في بدايات هذا العام وساعدوه على هزيمة الجيش العراقي نظراً لشعور الإحباط الذي كان يعتريهم نتيجة ممارسات حكومة الزعيم الشيعي نوري الملكي.
وكأولوية استراتيجية لهزيمة "داعش"، على الرئيس باراك أوباما أن يحشد القبائل العراقية للانضمام إلى الجيش العراقي ويستعيد السيطرة على الأنبار وغيرها من المحافظات التي وقعت تحت سيطرة الجماعة المتطرفة. وفي الوقت عينه يدرس القادة الأمريكيون إمكانية إنشاء "حرس وطني" وهي نسخة عن ميليشيا قبلية معروفة باسم "الصحوة" تمكنت من سحق تنظيم القاعدة في العراق بين عامي 2007 و2008. غير أن تنفيذ هذه الاستراتيجية على أرض الواقع قد يصطدم بعائقين اثنين. أولا عدم الثقة التي أبداها بعض من زعماء القبائل تجاه الحكومة الجديدة، بما أنهم لم ينسوا بعد تهميش المالكي لهم.
والسبب الثاني هو أن "داعش" عملت على إضعاف القادة النافذين في القبائل السنية. فقد وردت أبحاث حول الجرائم الوحشية التي ارتكبتها "داعش" التي وثقها وجمعها كريج وايتسايد وهو ضابط سابق في الجيش الأمريكي خدم في العراق، أنه تمت تصفية منذ عام 2009 ما لا يقل عن 1345 عضوا من القبائل على يد "داعش" أو منظمات أخرى متطرفة. وكتب كريج في مدونة خاصة بالشؤون العسكرية تدعى “ar on the Rock” أنه في المناطق السنية غير الخاضعة لسلطة الحكومة العراقية، لم تستغرق "داعش" وقتا طويلا لكي يقضي بشكل ممنهج على زعماء المقاومة واحدا تلو الآخر".
تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم عالقة بين المطرقة والسندان. فسياسة غض النظر تجاه النفوذ الإيراني سواء في العراق أو سورية سينتج عنها لا شك مخاطر عديدة منها تأجيج مخاوف حلفائها العرب والمعارضة السورية، الذين يعتبرون أن هذه السياسات تعزز ضمنيا قوة إيران والرئيس الأسد، الذي يبقى بالنسبة لهم مصدر التهديد الأساسي.
كما أن ترسيخ النفوذ الإيراني في المنطقة و"الحرب على الإرهاب" التي يقودها حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية سوف يغذي التطرف السني. "فمن خلال قمع نظام الأسد، نشأت حرب طائفية ولدت "داعش". وانخراط حزب الله وإيران المتعاظم سيجعل من سورية مغنطيسا يستقطب المزيد من المقاتلين الأجانب السنة،" وفق تابلر.
من جهة أخرى، يعتبر خليل زاد السفير الأمريكي السابق في العراق خلال مداخلة في قمة الطاقة والاقتصاد التي نظمها المجلس الأطلنطي أنه لا يمكن القضاء على مجموعات مثل "داعش" إلا بمعالجة المشكلات الأساسية الكامنة خلفها مثل الصراع الإقليمي بين إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا وغيرها من دول الخليج، هذا النزاع الذي أنتج حروبا فرعية في العراق وسورية.
إن وجهة نظر تابلر وخليل زاد تسلط الضوء على مشكلة خطيرة في الأزمة السورية والعراقية الحالية. ذلك أنه من غير الممكن أن تنجح الميليشيات الشيعية التي تغذي بنفسها الصراع الطائفي في سحق منظمة سنية متطرفة كـ "داعش" كما أنه ليس باستطاعة نظام استبدادي مثل نظام الرئيس بشار الأسد المبني على الطائفية أن ينتج حلا سلميا في بلد منقسم على أسس طائفية. وبالتالي لا يمكن الفوز في المعركة ضد "داعش" إلا من خلال الصوت المعتدل.