انخفاض أسعار النفط .. وتحديات تواجه الدعم الحكومي
في الفترة الماضية شهدت أسواق النفط تقلبات شديدة، تميل إلى هبوط الأسعار بصورة ملحوظة، يرى فيها البعض أن هذا يعد تهديدا للدول المنتجة للنفط، خصوصا الدول التي تعتمد بصورة رئيسة على النفط في ناتجها المحلي، وتفاوتت هذه التحليلات بحجم الأثر في كل دولة من هذه الدول، وإلى أي حد يمكن أن تتحمل هذه الدول الانخفاض في الأسعار بصورة تمكنها من الاستمرار في تنفيذ مشاريعها التنموية، والاستمرار في برامج الدعم الحكومي للأفراد من خلال دعم السلع والخدمات، وقد صدر أخيرا تقرير عن البنك الدولي عن موقع CNN بالعربية "اعتبر فيه كبير الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في "البنك الدولي"، شانتا ديفاراجان، أن الهبوط الأخير في أسعار النفط، يشكل تحذيراً للدول المنتجة للبترول، ودفعها إلى إعادة التفكير في سياساتها الحالية، في مجال الدعم الحكومي. وخلال استعراضه لتقرير "الآثار المدمرة للدعم الحكومي"، الصادر عن البنك الدولي، قال ديفاراجان، في مؤتمر صحافي في مقر فرع البنك الدولي الإقليمي في العاصمة الكويتية، "إن دول الخليج أمست مطالبة بتخفيض الدعم الحكومي تدريجياً بجميع المجالات". ودعا الخبير الاقتصادي الدولي الدول الخليجية إلى بلوغ مرحلة الإيقاف الكامل للدعم الحكومي، "وإلا ستواجه عجوزات" في ميزانياتها في السنوات القليلة المقبلة، معتبراً أن "الوقت ما زال مبكراً للقيام بإجراءات في هذا المجال"، وأوضح أن سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمثلون 5 في المائة من سكان العالم، في حين تسهم المنطقة بإنتاج 3 في المائة من إجمالي الناتج العالمي، وقال إن المنطقة تقدم وحدها 48 في المائة من إجمالي الدعم الحكومي المقدم في كل أنحاء العالم، بقيمة إجمالية بلغت العام الماضي، نحو 160 مليار دولار".
فهذا التقرير لا شك أنه يتحدث عن تحد كبير تواجهه المنطقة من الناحية الاقتصادية؛ إذ إنها تعتمد بصورة كبيرة على الدعم الحكومي، وبعد تحسن أسعار النفط بدأت تتوسع أكثر في هذا البرنامج بصورة كبيرة، فكيف يستطيع المواطن في المملكة مثلا أن يجد سعر البنزين الذي يتم استهلاكه يوميا بصورة مهولة بأسعار تفوق الريالين أو أكثر للتر الواحد، أو أن يدفع أضعاف أسعار فاتورة الكهرباء أو الماء الحالية، أو يجد أن أسعار السلع الضرورية أصبحت أعلى من أسعارها الحالية بكثير، فضلا عن القطاعات الإنتاجية المحلية التي تعتمد بصورة كبيرة على هذا الدعم، الذي إذا ما انقطع فسيكون هذا الأمر أشبه بنهاية لمثل هذه الشركات.
الدعم الحكومي بصورة عامة مطلوب ومعظم دول العالم لديها برامج لسياسات الدعم الحكومي لتشجيع الإنتاج ولتخفيف الأعباء على المواطنين، ولكن استراتيجية الدعم تتغير بحسب الظروف، والتغيرات التي يواجهها المجتمع، ويفترض أن يكون الدعم بطريقة لا تؤدي إلى نوع من الإسراف في الاستهلاك والميل إلى الكسل، بدلا من الحرص على الإنتاجية، وإذا ما نظرنا إلى برنامج الدعم الحكومي في المملكة نجد أنه في بعض صوره يشجع على المبالغة في الاستهلاك، ولا تقتصر الاستفادة منه على الفئة المستهدفة فقط، فلو نظرنا إلى الدعم الحكومي لأسعار البنزين مثلا فسنجد أن أسعاره تعتبر من الأقل على المستوى العالمي، في حين أنه يبلغ في بعض مناطق العالم سعرا يصل إلى 20 ضعفا، مقارنة بالأسعار التي يدفعها المواطن لهذه السلعة، وهذا قد يكون منطقيا، باعتبار أن المملكة دولة مصدرة للنفط، وترغب في أن تخفف العبء عن مواطنيها، لكن الملاحظ أن الاستفادة لا تقتصر على المواطن، كما أنه شجع البعض على أن يكون عديم المبالاة، بحجم ما يستهلكه من الوقود بهذا السعر الرخيص، وهذا يمكن أن يجري على كثير من السلع والخدمات التي يصل إليها الدعم الحكومي. ولذلك يقترح بعض الخبراء أن يكون هناك ما يسمى بالدعم الذكي الذي تقتصر الاستفادة منه على المواطنين فقط أو المحتاجين بصورة خاصة، كما يحدد المقدار المستحق لهذه الاستفادة، بحيث لا يتجاوز الأمر حد الإسراف في الاستفادة من هذا الدعم. كما أن دعم الأمور الأخرى من السلع والخدمات قطعا لن يستمر بسبب الزيادة المتواصلة في السكان مع استمرار الاعتماد حاليا على النفط كمصدر رئيس للدخل، ولذلك فإنه من المهم إيجاد استراتيجية تعزز مصادر الدخل المحلي من غير النفط، وتشجيع زيادة إنتاجية الفرد العامل، إضافة إلى وضع خطوات لتقليص الدعم على المدى المتوسط بصورة لا تؤثر في المواطن من خلال تعزيز فرص الدخل للأسرة.
فالخلاصة أن استمرار الدعم الحكومي في دول الخليج قد يؤدي إلى عجز الموازنة قريبا، ولذا ينبغي التفكير في استراتيجية الدعم الحكومي بما يعزز من إنتاجية الفرد، وبالتالي تعويض النقص الذي يحصل له بسبب تقليص الدعم من خلال زيادة الدخل، إضافة إلى التفكير في الدعم الحكومي الذي يستهدف بصورة مباشرة الجهة المقصودة بالدعم.