رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل تنهض الحداثة على هذه الأرض المحروقة؟

بدأت النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر عبورها للحداثة على جسر الحضارة العربية نحو الحضارة الإغريقية، من خلال الترجمة العربية للأصول الإغريقية الفلسفية بجانب الإضافات العربية الإبداعية.
مشروع النهضة العربية سار في البداية على جسر الحضارة الأوروبية في اتجاه نحوها ومثل النهضة الأوروبية حاول أيضاً الاتصال بأصوله وقد كانت مصر مركز النهضة العربية مع دور لبناني وسوري وعراقي وتونسي في القرن التاسع عشر.
لكن المشروع تعثر إلى حدود الفشل بسبب الهجمة الاستعمارية على المنطقة وبسبب الاحتلال الصهيوني والهزائم العسكرية العربية، ثم بسبب الغلو في الهوية العربية والإسلامية التي توازعها الإسراف من جانب في خلع هالة مثالية على المناقب العربية والإرث الثقافي والنظر إلى تاريخ الأمة وتدريسه للطلاب على أنه أمجاد بأمجاد ومن جانب آخر في تكثيف النقولات الإسلامية في الفقه والتفسير مع سد باب الاجتهاد وتقسيم الروحية العربية إلى مناطق نفوذ لهذا المذهب أو ذاك، في صرامة ضاعت معها إمكانية التجديد إما بفعل السياسة أو نفوذ المشيخات والمؤسسات الدينية.
أدت المغالاة المفرطة في الحالتين (العروبية والإسلامية) إلى وقوع التعليم العربي العام والعالي - تحت دعوى الغيرة على العروبة والغيرة على الإسلام - إلى حالة انحباس منهجي في التعليم، فلا هو الذي استطاع أن يسلم نفسه لشروط الحداثة في عقلانيتها وموضوعيتها ولا هو الذي وجد في مشروع النهضة إجابات تمهد لها.
الحداثة الغربية أنجزت مشروعها في التقدم لأن مشروع نهضتها استوفى شروطه، ليس على الصعيد النظري، في الفلسفة والسياسة والعقد الاجتماعي والثقافة وكل ما طرحه عصر الأنوار، بل لأن التنظير الفكري كان ينهل من الحراك الاقتصادي المعاش (كقوة إنتاجية وكقوة عمل) .. فالثورة الصناعية والعلمية ودور البرجوازية الوطنية كانت مخرجاتها هي المادة اللاصقة لمعمار النهضة الأوروبية التي استوت إلى الحداثة .. ولم يكن الفكر الاقتصادي بكل نظرياته آنذاك بناء فوقيا ولا ثرثرة شكلية استعراضية للأهداف والسياسات والاستراتيجيات المتخيلة الحالمة المنطلقة من تهيؤات افتراضية ذاتية وإنما تبلور من عالم ينهض وينبض ويفرض إشكالياته ويطرح أسئلته وعلاقتها بتكوين الثروة والمجتمع وعلاقة الاثنين بعضهما ببعض.
إن الحداثة الغربية لم تكن مستلبة بميراث أجدادهم الإغريق ولا بالإضافة العربية ولكنها سمحت للواقع بديناميكيته الفعلية الملموسة (علما وعملا) أن يؤججها.
فقد كان الاقتصاد الفعلي هو ما كفل للحداثة أن تنجز التقدم .. فقد سهر ذلك الاقتصاد على إمداد سائر الحقول السياسية والثقافية والاجتماعية والقانونية والإدارية بأسباب الحياة المادية .. ولو لم يفعل ذلك لبقيت حداثة الغرب في أحسن الأحوال فصولا أخرى في جمهورية أفلاطون أو في المدينة الفاضلة للفارابي.
فشل مشروع النهضة العربية .. أدى إلى أن تواجه الحداثة العربية مصيرها في إعاقات جمة حالت دون شق طريقها .. غير أنه رغم تلك الإعاقات فقد كانت الحداثة العربية أحيانا تنجح في تحقيق اختراقات محدودة سواء على الصعيد الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي .. فلم يكن حصاد النهضة ولا حصاد الحداثة العربيتين بمجمله دون إنجازات تقدمية .. إلا أنها إنجازات ظلت على الدوام تواجه بحواجز ومخافر تقطع الدرب على مسيرتها فهي ما تكاد تتقدم خطوة حتى يتم دفعها خطوات إلى الخلف أو حتى إقصاءها ولو بالعنف.
هذا ما فعلته الصحوة بالضبط .. فقد تم السماح لها باستباحة الفضاء العربي في جميع حقوله، وإن بدرجات مختلفة بين بلد وآخر .. وهذه الهجمة الشرسة الشاملة للصحوة، لم تستهدف استكمال مهمة إعاقة الحداثة وإنما القضاء المبرم عليها .. وهكذا سقط لها ضحايا.. كتاب وزعماء وأساتذة جامعيون ومثقفيون وناشطون .. وكان أشد تجليات هذه الهجمة الشرسة للصحوة على الحداثة هو إفلات "الهويات القاتلة" ممثلا في كل عصابات ومنظمات الإسلام السياسي المتطرف.
فهل بإمكان الحداثة العربية بعد فشل مشروع النهضة وهجمة الصحوة أن تنهض على هذه الأرض المحروقة؟ سؤال مرٌّ، لا أجد له من عزاء سوى الشعر .. يقول محمود درويش:
"وحبوب سنبلة تجف
ستملأ الوادي سنابل!"

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي