رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التصوير المترف

ما تلتقطه عدسات السواد الأعظم من البشر من صور في كل دقيقة أستطيع أن أسميه (التصوير المترف). يستخدمونه كوسيلة من وسائل التباهي والتفاخر، يستعرضون من خلاله أدق تفاصيل حياتهم وموائدهم وهداياهم ومقتنياتهم مع قليل من التضخيم وشيء من التدليس!
بينما هناك أشخاص جعلوا من التصوير قضية ووثيقة وتاريخا، حيث تروي الصورة تاريخ أناس قاربنا على نسيانهم قضوا في مجازر التطهير العرقي وليس لهم ذنب سوى اختلاف دينهم. التمييز والعنصرية بداية من التمييز العرقي والقبلي، مرورا بالتمييز المذهبي أو الطائفي، وصولا إلى التمييز الديني، تقود المجتمعات إلى الخراب والدمار!
من هؤلاء الأشخاص "زياه جافيك" الذي كان شاهدا على عصره وذاق ويلات التطهير العرقي في إحدى أكبر وأبشع عملية تطهير عرقي شهدها التاريخ مع بداية التسعينيات الميلادية فُقد خلالها 30 ألف مواطن مدني مع بداية الحرب على البوسنة ولم يعودوا أبدا، كما قُتل 100 ألف آخرون خلال العمليات الحربية منذ الأيام الأولى للمعركة حتى نهايتها بسقوط سربينيتشا في يد الصرب.
يقول زياه جاميك: "التطهير العرقي لا يقتصر على القتل فقط؛ بل تعداه إلى تدمير ممتلكات الآخر وميراثه الثقافي لطمس فكرة أنه موجود أصلا؛ أي طمس الهوية تماما!".
وبما أنه لا توجد جريمة مثالية أو كاملة؛ هناك دائما بقايا للضحايا الذين قُتلوا تظل صامدة أكثر من أجسادهم ومن ذاكرتنا البالية، وهي عبارة عن ساعات، نظارات، سلاسل، مفاتيح، فراشي ومعاجين أسنان، أمشاط، سبح، ولاعات رافقت ضحايا التطهير العرقي إلى مثواهم الأخير، ومن الواضح أنهم أخذوها معهم دون أن يكون لديهم أدنى فكرة عن مصيرهم فعادة ما يُقال لهم إنه سيتم استبدالهم بأسرى الحرب!
وتم الحصول على هذه الأشياء والممتلكات من المقابر الجماعية واستخدمها الطب الشرعي في التعرُّف على المفقودين بعد تنظيفها وتحليلها وفهرستها ومن ثم عرضها على الناجين للتعرُّف على أصحابها ولكنهم حالما ينتهون يتخلصون منها إما برميها أو بوضعها على أرفف النسيان، ويبقى أصحابها مجهولين! مما دفع "جافيك" إلى ابتكار طريقة لتبقي هذه الأشياء حاضرة في الأذهان ويتم عرضها على أكبر شريحة من الناجين، فهداه تفكيره لتصوير كل ما تم إخراجه من المقابر وإنشاء أرشيف مصور ليتمكن الناس من تصفحه بسهولة والتعرُّف على أصحابه أو تكون هذه الصور وثيقة وشهادة أخيرة على أن هؤلاء الضحايا كانوا موجودين يوما ما هناك، ولن يستطيع حتى القتل محو وجودهم وتثبت فشل معارك التطهير العرقي في طمس هويتهم! فما أجمل التعايش السلمي مع الآخر مهما بلغت درجة اختلافنا معه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي