الدالوة .. أرادوها فتنة طائفية فجعلها الشعب وحدة وطنية

الدالوة .. أرادوها فتنة طائفية فجعلها الشعب وحدة وطنية
الدالوة .. أرادوها فتنة طائفية فجعلها الشعب وحدة وطنية
الدالوة .. أرادوها فتنة طائفية فجعلها الشعب وحدة وطنية
الدالوة .. أرادوها فتنة طائفية فجعلها الشعب وحدة وطنية
الدالوة .. أرادوها فتنة طائفية فجعلها الشعب وحدة وطنية
الدالوة .. أرادوها فتنة طائفية فجعلها الشعب وحدة وطنية

لطالما حاولت يد الغدر، أن تعبث بأمن هذه البلاد ومقدراتها، بتفجيرات استهدفت مقيمين آمنـــــين مستأمنين، ومنشـــآت حيوية، إضافة إلى استهداف القائمين عليها من رجال الأمن البواسل. ولكن في تحوّل نوعي حاول عن قصد أن يحاكي ما يحصل في دول مجاورة من فتن طائفية. استهدفت "الفئة الضالة" هذه المرة مواطنين آمنين في قرية "الدالوة" التابعة لمنطقة الأحساء. فكان الرد من الجهات الأمنية ملاحقات سريعة وحازمة طالت ست مدن لتجتث عناصر هذه الفئة من بؤرها. فيما كان رد الشعب أعلام الوطن الخضراء تحيط جثامين شهداء الحادثة وأيادي بيضاء ترفع صور شهداء الواجب، مرددين جميعا وبصوت واحد: "هذا الوطن ما نبيعه".
#2#
الدالوة التي سميت بهذا الاسم، بحسب الروايات التاريخية، اشتقاقا وتحويرا لكلمة "الدالية" نظرا لكثرة عناقيد العنب المتدلية في مزارعها. قرية هادئة تقع شرقي مدينة الهفوف التابعة لمحافظة الأحساء وتقدر المسافة بينها وبين مدينة الهفوف نحو 15 كيلومترا تقريبا، وتقع القرية على السفح الجنوب الغربي لجبل القارة الذي يسهم في اعتدال طقسها.

وإضافة إلى طقسها المعتدل تنعم الدالوة بكثير من الهدوء والتعايش المعتدل. فبالكاد كنا نسمع عنها حتى استهدفتها واستهدفت أطفالها ورجالها أيدي الغدر الغاشمة. فحصل أن أصبحت محط أنظار وزيارات متتالية للتضامن والعزاء. فكان الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية، في مقدمة من تفقدوا الحادثة في المكان ذاته، الذي وقعت فيه، بحكم المسؤولية، من جهة، وبدافع من المواطنة والإنسانية لتقديم واجب العزاء من جهة أخرى.

وهو ما نددت به بالفعل، في وقت سابق، الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إذ قالت إن "هذا الحادث الإجرامي اعتداء آثم وجريمة بشعة يستحق مرتكبوه أقسى العقوبات الشرعية". في حين وصف المفتي العام الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ في مداخلة تلفزيونية يوم الثلاثاء ما جرى في الدالوة بأنه "هذه فتنة وشر فعلة افتعلها من يريد بها الشر والسوء ويريد بها فتح باب النزاع الطائفي علينا ليقتل بعضنا بعضا".

لتصبح الدالوة، في وقت قصير، مضربا للمثل في التآزر الاجتماعي واللحمة الوطنية فهي المدينة التي تحركت من أجلها مدن الوسطى والشمال والجنوب، لملاحقة الجناة. ثم ما إن شيعت جثامين شهدائها حتى امتلأت بالوفود التي قدمت من خارج المنطقة ومن جهات الوطن المختلفة مقدمة واجب العزاء. وفيما غطيت جثامين شهداء الحادثة بأعلام الوطن، حمل الأهالي صورا لشهداء الواجب الذين قضوا في المواجهات التي شهدتها ملاحقة المطلوبين.
#3#
وكل ذلك، في مشهد مهيب اختلطت فيه مشاعر الحزن والوداع بمشاعر الفخر والسعادة بتآخي أبناء الوطن الواحد وتعاضدهم. صور يسعد بها ولا شك من يريد الخير لهذا الوطن، ولكنها أيضا تغيض من أرادوا لهذه الحادثة أن تزرع بذور فتنة لطالما أثمرت في مناطق مختلفة ولا تزال. هذه الصور والمشاعر تؤكد أن الفتنة وئدت في مهدها حيث لا مكان لها في بلد يقدر مواطنوه نعمة الأمن والأمان، فيما لم تستطع الأحداث المتتالية والمتلاحقة من حولهم إلا أن تزيدهم بهذه النعمة تمسكا وغبطة.

جاســـــم المشـــرف، المنســـق العام والمتحدث الرئيس لجموع المشيعين في الدالوة يوم أمس الأول، تحدث لـ "الاقتصادية" في اتصال هاتفي عن الأجواء المصاحبة للتشييع قائلا: كانت أجواء وطنية مفعمة بالطمأنينة والمحبة، حيث رجال الأمن هيأوا كل السبل اللازمة للأهالي والزائرين الذين توافدوا من داخل المملكة وخارجها لتقديم واجب العزاء. فيما كانت الشعارات الطاغية على الحدث بكل عفوية من المشاركين: "سنة شيعة .. هذا الوطن ما نبيعه".
#4#
وعن حمل الجموع لصور شهداء الواجب الرشيد والعنزي يقول المشرف: "أقل الواجب، هم أبناؤنا ويعلم الله أن حزننا عليهم يوازي حزننا على أبنائنا. أهالي الدالوة يقدرون لهم هذه التضحية ولن ينسوها أبدا". ويختم المشرف حديثه متفائلا بأن هذه الحادثة، وما سبقها من تعاضد شعبي وأمني هي لا شك نقلة نوعية وتاريخية على مستوى المنطقة والترابط الشعبي، كما أنها رسالة واضحة، بحسب المشرف، للجميع أن "دم الوطن والمواطن غال".

من جهتها، أثنت الدكتورة ثريا العريّض من أهالي المنطقة الشرقية، عضو مجلس الشورى، وعضو اللجنة الأمنية في المجلس في حديثها لـ"الاقتصادية" على الجهود المبذولة من الجميع قبل الحادثة وبعدها قائلة: بقدر ما كان الاعتداء الغادر على المواطنين في الأحساء مفاجأة مروعة للوطن كله، جاءت كطعنة خنجر مسموم في الظهر، كان رد الفعل المحلي من الأحسائيين ومن المواطنين في أنحاء الوطن الأخرى بلسما سريع العلاج أبطل مفعول الطعنة وسمها، ورد كيد المخططين.
#5#
وتضيف الدكتورة ثريا "رب ضارة نافعة ولربنا حكمة لا ندركها فيما يجري ..." فقد أثلج قلبي قراءة تفاصيل ما حدث. أولا: التيقظ المسبق لوزارة الداخلية التي تنبهت لكون شيء ما يخطط له الإرهابيون لينفذوه في المنطقة الشرقية في يوم عاشوراء، حيث أهل المنطقة مشغولون بمراسم العزاء المعتادة سنويا، ومن ثم نبهت قادة الرأي والمشرفين على تنظيم الفعاليات كي يقوموا بهدوء بتوعية الجميع إلى ضرورة أخذ جانب الحذر والتيقظ لأي حدث مريب. ثانيا: نضج ردود الفعل المحلي وتقبلهم التحذير بإيجابية وجدية وثقة بالسلطة، ما جعل التخطيط سيئ النية يفشل في هدفه وهو إشعال نار الفتنة بين الشيعة والسنة وتصعيد الاشتباكات المؤجج لها إلى فتنة عامة تلهب الوطن كله.

وتزيد العريض، حين حدث ما حذروا منه برزت طبيعة أهل الأحساء النقية، والطيبة المشهود لهم بها، وتعايشهم المتوارث، وتحضرهم ثقافيا، ليرتقوا بردود أفعالهم عن جراح وآلام الحدث ذاته، إلى صقل مشاعر آلامهم حالا، لتكون تأكيدا للمواطنة وإصرارا على كونهم مواطنين إخوانا في المنطقة وفي الوطن، وإن اختلفت مذاهبهم.

وتشيد العريض بسرعة تفاعل وزارة الداخلية مع الحدث، وتنفيذ مداهمة الجناة والمخططين لهذه الجريمة والقبض عليهم في وقت قياسي، وحتى بعيدا عن موقع الحدث في أوكارهم في مناطق بعيدة كبريدة وحائل. كما تشيد بنجاح أهالي المنطقة لرفع شعار المواطنة وتأسيس تيار من الأغلبية الصامتة من أتباع المذهبين في سائر الوطن يعلو صوت فعله فوق صخب تأجيج الطائفية والعنصرية، ويكون مدخلا جديدا لمواجهة التطرف ومكافحة الغلو من الجانبيين، بتكوين جبهة موحدة همها حماية الوطن من الإرهاب المتنامي في المنطقة كلها ومنع تسربه وتناميه في الوطن.
#6#
ولا يفوت الدكتورة ثريا أن تذكر بشيء من الطمأنينة والسعادة لفتة حمل المشيعين صور شهداء الواجب من منسوبي الجهاز الأمني الذين دفعوا حياتهم وهم يواجهون خلايا الإرهاب ويفككون أوكار الخلايا النائمة. فهكذا، برأيها، يكون الاعتراف بجهود حماة الأمن وشكرهم. وفعلا أشعر بالفخر والامتنان لما عايشناه من تعبيرات التلاحم الشعبي الذي أظهرته صور التشييع الشهداء في الدالوة حيث شارك مئات الآلاف بينهم وفود جاءت من مناطق بعيدة عن الأحساء. لهم الشكر على مشاركتنا أحزاننا.

وتختم العريض حديثها بالترحم على الشهداء جميعا وتدعو الله أن يغفر لهم ويتغمدهم في واسع جنانه .. سائلة المولى أن يعظم أجر ذويهم ومحبيهم ويربط على قلوبهم. آملة ألا ينسى الوطن أبناءهم الصغار الذين يتمتهم رشاشات الغدر .. فيرعاهم ويمنحهم أفضل الفرص لإكمال تعليمهم حتى أعلى الدرجات .. ليكملوا ما بدأه آباؤهم من الوفاء والإخلاص والدفاع عن أمن الوطن. حمى الله الوطن وأهله من شر الإرهاب وجنون الدموية.

من جانبه، تحدث الدكتور عبدالعزيز داغستاني الأستاذ المشارك في جامعة الملك سعود وعضو مجلس الشورى السابق لـ"الاقتصادية" معلقا على هذه الأحداث وما تبعها من تلاحم شعبي بقوله "المواقف الصعبة تظهر معادن الرجال. ولعل ما حدث يكون نقطة تحول جذري نلتفت فيها إلى الوطن الذي يحتضننا جميعا دون أي تفرقة". ويختم داغستاني: "نحن نحتاج إلى المحبة".

محبة وأمان ما نحتاج إليه، وأمن لم يعد يراهن على قدرته وكفاءته أحد. فالملاحقات الأمنية التي تبعت الحادثة والسرعة القياسية في القبض على الجناة، الذين قتلوا الآمنين بدم بارد، وضحكاتهم تعلو مع صوت الرصاص، كما يروي شهود عيان. لم تترك حتى لـ"المشككين" فرصة لطالما تمنوها، فكيف هو الحال بمن افتعل هذه الفتنة أساسا؟ ليرد الله بفضله ثم بهمة رجال أمن، يبذلون بتضحياتهم الغالي والنفيس، كيد الجناة والمشككين في نحورهم.

الأكثر قراءة