إذا أردت أن تطاع
ظهرت "نزاهة" خلال الأسبوع الماضي على أكثر من صعيد. فمجلس الشورى ناقش أعمالها، وتحدث أعضاؤه عنها بأمور هي للاتهام أقرب منها للعتب. إذ اتهمها بعض الأعضاء بأنها فاسدة، وتحتاج إلى من يصلح فسادها قبل أن تمكن من البحث في فساد الآخرين. قال آخرون إن الهيئة تركز على أخطاء تافهة وتهمل المشكلات الحقيقية.
ثم ظهرت "نزاهة" نفسها في وسائل الإعلام متحدثة عن "عدوى الفساد". عدوى الفساد لمن لا يعرفها، هي انتقال الفساد إلى دول مجلس التعاون والمملكة من مجتمعات مجاورة ــ كما عرفها المستشار الإعلامي للهيئة. بمعنى أن المنطقة كانت خالية من الفساد حتى احتكت بما حولها من الدول وأصابتها عدوى الفساد. هذا باب بحث كبير يحتاج إلى إثبات من صاحب الفكرة، لأنه غير مقنع "على الأقل بالنسبة لي وأمثالي كثير".
أما الظهور الثالث للهيئة فكان عندما طالبت بأن يسمح لها بمقاضاة الوزراء الذين لا ينصاعون لتعليماتها، أو الذين يثبت أنهم لم يتفاعلوا بالشكل المطلوب مع ملاحظات الهيئة. هذه الإشكالية تعيشها أغلب الجهات الرقابية، فهي لا تملك صلاحيات تخولها اتخاذ إجراء مادي أو معنوي تجاه المخالفين.
أغلب هذه الجهات تقدم تقاريرها، لكنها لا ترى نتائج عملها أو مدى تأثير ذلك في تحسين بيئة وأخلاقيات واحترافية الأعمال. وما دامت الجهة الرقابية عاجزة عن اتخاذ أي إجراء، فستفقد مع الوقت احترامها وهيبتها لدى الجهات التنفيذية، وتصبح تقاريرها حبرا على ورق.
ثم أعلنت الهيئة أن 67 في المائة من الفساد موجود في وزارات البلديات والداخلية والتربية والصحة. هل يعني هذا أن الهيئة ستقاضي هذه الوزارات لو أتيحت لها الفرصة؟ سؤال آخر وهو: هل ملاحظات الهيئة جوهرية، أم أنها مجرد كشف أخطاء بغض النظر عن تأثيرها في مسيرة العمل، كما قال عضو الشورى؟
هذه الأسئلة وغيرها كثير يمكن أن تجتمع عليه الجهات الرقابية، وتكون "مجموعة فكرية" تصدر ما يمكن أن نعتبره مرجعا يقيم ويصنف التزام الجهات الحكومية بالأنظمة المالية والإدارية. هذا العمل يمكن أن يتحول إلى مؤتمر سنوي تدرس فيه المخالفات المنتشرة وسبل علاجها ويعاد من خلاله دراسة الأنظمة القائمة والبحث في تعديلها بما يلائم تطور العمل الحكومي والخاص.