طرابلس .. «سيطرة جيش» أم فرصة للمسلحين لالتقاط الأنفاس؟
يسيطر الهدوء حاليا على أحياء طرابلس، التي كانت مسرحا للاشتباكات الشديدة بين الجيش ومسلحين تابعين لمنظمات سورية متشددة كجبهة النصرة وتنظيم الدولة "داعش" كما في مناطق عكار.
استطاع الجيش السيطرة تماما على منطقة طرابلس التي كانت في الأشهر السابقة قد خرجت مرات عدة عن قبضة الدولة. فاليوم تحوم العديد من الدوريات العسكرية في شوارع المدينة المكتظة. وهذا بعد أيام فقط من خروج آلاف المواطنين من أبناء المنطقة باتجاه مناطق القبة، أبو سمرا، والزاهرية، تخوفا من الاشتباكات. "كنا متخوفين من الاحتقان فعدد من الشباب ينظرون إلى الجيش كحليف لحزب الله وقد نصحناهم بعدم المواجهة" بحسب قول الشيخ نبيل رحيم، أحد السلفيين في المدينة.
واندلعت الاشتباكات، بعد اعتقال أحمد سليم ميقاتي - أحد أبرز مسؤولي "داعش" في الشمال - في بلدة عاصون في الضنية قبل عشرة أيام، إذ اعترف ميقاتي بتحضير عمليات انتحارية تستهدف مجالس العاشورة في الضاحية الجنوبية وبناء إمارة في منطقة عكار، كما أن ميقاتي يعتبر صلة الوصل بين مختلف الجماعات الإرهابية في طرابلس وعكّار.
توقيف ميقاتي ألحق السوء بهجمات الإرهابيين التي استهدفت، في وقت سابق، مواقع الجيش ونقاطه في طرابلس وبحنّين والمنية في شمال لبنان. وتشير المصادر إلى أن الجيش كان يراقب تحركات المسلحين، "لذا عمد إلى توجيه ضربة استباقية باعتقال الميقاتي، وهذا ما دفع بالكثير من الإرهابيين، منهم لبنانيون وسوريون وفلسطينيون إلى التحرّك في طرابلس وخارجها"، بحسب ما يذكره ضابط لبناني.
#2#
وأكدت الأحداث دور مجموعة "شادي المولوي"، الذي ظهر اسمه على الساحة اللبنانية في 2012 إذ اتهم، في وقت سابق، بالانضمام إلى القاعدة في حادثة تورط فيها مواطن قطري اسمه عبدالعزيز عطية، وأسامة منصورالذي قاد القتال في باب تباني ومحيطها، إضافة إلى أنصار مسلح آخر يدعى الشيخ خالد حبلص الذي كان يقود خلية نائمة في منطقة بحنين حيث تم توقيف عدد من المقاتلين كما وجدت ثلاث سيارات مفخخة و نحو50 صاعقا.
المعلومات الأولى التي عممت من قبل الجيش أوضحت أن الفصائل المتشددة تضم عددا من السوريين، الذين تواجدوا في طرابلس إضافة إلى القادمين من مخيمات اللاجئين في بحنين. "يوجد تواطؤ بين المقاتلين وجماعتي داعش و النصرة" بحسب شيخ رحيم. كما تم رصد عناصر مسلحة أجنبية خلال المعارك التي اندلعت في أسواق طرابلس، بحسب مصدر عسكري أشار بدوره إلى ارتباك بعض الجنود الذين لم يكونوا متمكنين من جغرافية شوارع العاصمة الشمالية.
تولّت قيادة واحدة إدارة حركة هذه الخلايا وهذه القيادة تابعة لجبهة النصرة وفق معلومات أشارت إليها جريدة الجمهورية اللبنانية، كما حاولت هذه القيادة دعوة بعض المجموعات الإسلامية المسلحة الموجودة في مخيم عين الحلوة والطريق الجديدة إلى فتح النار بهدف التخفيف عنها في الشمال، لكنّ هذه المجموعات لم تتجاوب. "ففي مخيم عين الحلوة أدت الاتصالات والتفاهمات بين السلطات اللبنانية والفلسطينية إلى رفع الغطاء عن أي مُخلّ بالأمن، ما جعل المجموعات والخلايا مكشوفة أمام أي قرار. وجاء موقف الرئيس سعد الحريري لينزع الغطاء عن أي مُخلّ في الطريق الجديدة". كما أكد ضابط في الجيش هذه المعلومات لصحيفة "الاقتصادية".
#3#
أحداث طرابلس تشير مرة أخرى إلى استعداد المدينة التي قوضت بالفعل من تأثير الصراع في سورية لأكثر من ثلاث سنوات، والتي تشهد بانتظام مواجهات دامية بين أنصار السنة المؤازرين للثوار في سورية وبين أنصار النظام بشار الأسد من العلويين في المدينة. ولكن هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها حجم القتال لهذا المستوى بين المتشددين والجيش اللبناني.
الخلاف بين المتطرفين والجيش سببه اتهام الإسلاميين السنة في الجيش اللبناني لأتباع حزب الله الشيعي بمساندة عدوهم اللدود الذي يقاتل الثوار في سورية - جنبا إلى جنب مع النظام السوري. ويبقى هذا السبب وحده لا يستطيع تفسير الاحتقان المتواصل بين الجيش والإسلاميين. بحسب المحلل تيمور جوكسل الضابط السابق في "اليونيفيل": "أنا لست مندهشا من تجدد القتال. لسنوات والطبقة السياسية تتابع المواجهات المستمرة في هذه المدينة دون محاولة لإيجاد حل مستدام. الوضع في طرابلس مسيس للغاية والعديد من العوامل تتداخل مع بعضها البعض. هناك مسألة الدين، والفقر، وتأثير الحرب في سورية. فيما السياسيون يميلون للتفاوض عند وقوع الحوادث دون معالجة الأسباب الحقيقية للصراع، وبالتالي السماح للمتشددين بالراحة لحين حدوث الجولة المقبلة من المواجهات".
في 2007 شارك عدد صغير من مقاتلي المدينة في المواجهات التي شنها "فتح الإسلام" ضد الجيش في المخيم الفلسطيني نهر البارد. لكن المؤشر الخطير الذي ميز هذه الحادثة الأخيرة عن غيرها هو توسع بقعة السيطرة للحركة الجهادية إلى مناطق مختلفة واكتشاف سلاح ومتفجرات. كانت المعلومات تشير إلى تحضيرات لهذه الخلايا تراوح ما بين التمركز داخل الأحياء الشعبية مثل خلية أسامة منصور وشادي المولوي في باب التبانة، والتحضير لعمليات تفجير إرهابية وتحريض عسكريين على الفرار والتخطيط لخطف عسكريين. يشير ضابط في الجيش إلى أنه تم القبض على نحو خمسة عسكريين من قبل تلك المجموعات. وعلاوة على ذلك، كانت جبهة النصرة قد هددت بإعدامهم يوم الإثنين فجرا، ردا على الأحداث الدائرة في طرابلس.
ما حصل في الأيام الماضية يشبه ما حصل في منطقة عرسال حيث شُنت هجمات من قبل داعش وجبهة النصرة على الجيش تسببت في مقتل أكثر من 19 عسكريا وخطف 35 أطلق سراح خمسة منهم بينما أعدم ثلاثة. ولكن الفرق بين هاتين الحادثتين أن الجيش كان على علم مسبق بهذا المخطط، الذي كان يهدف إلى السيطرة على مساحات من مدينة طرابلس، بما فيها ميناء المدينة. وكان قد أشار قهوجي في حديث صحافي إلى "نية المسلحين الحصول على منفذ بحري في طرابلس"، إضافة إلى ما قاله رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عن حاجة الإرهابيين إلى منفذ بحري عبر الشمال اللبناني.
كان الوضع قد بلغ حداً خطراً يهدد الساحة اللبنانية الهشة مع تمدد أحداث المناطق البقاعية الحدودية، بتفجير داخلي في الشمال. فعملت "جبهة النصرة" على رعاية خلايا إرهابية في طرابلس وعكار في انتظار اللحظة المناسبة.
فيما استطاع الجيش اللبناني الحد من خطر كبير كان يجري الإعداد له في الشمال يحول هذه المنطقة اللبنانية إلى إمارة يحكمها تنظيما داعش وجبهة النصرة حيث كان مخطط الإرهابيين هو السيطرة على مساحات واسعة، إذ أكد ضابط في الجيش نية المقاتلين في إنشاء إمارة، معتبرا هذا المخطط "صعب التطبيق بسبب عدم وجود عدد كاف من المقاتلين". في حين استغرب الشيخ رحيم هذه الإشاعات قائلا: "هل يعقل أن عددا ضئيلا من المقاتلين يستطيع السيطرة على مناطق شاسعة تمتد من الشمال إلى البقاع".
ولكن حتى إن كان خبر إنشاء الإمارة غير صحيح فإن العدد كاف لإرباك الوضع الأمني وأن ما ضبطه الجيش في الضنية يثير الدهشة ويفتح أبواب التكهنات الواسعة، ومع توجيه ضربة نوعية باعتقال هذه الخلية، بدا أن حلقة أساسية لهذه المجموعات قد انفرط عقدها. كما أن العدد الضئيل الذي كان سينضم إلى هذه الإمارة في وجه المؤسسة العسكرية يشير بدوره إلى أن بيئة طرابلس وعكار ليستا مساندتين وملائمتين لهذين التنظيمين.
وبحسب كثير من الخبراء فإن الحلول السياسية فقط هي الكفيلة بإنهاء هذا الصراع أما الحلول والقرارات العسكرية، فبإمكانها تقديم حلول مؤقتة ولكن غير قطعية حيث لا يمكنها عمليا تغطية كافة المناطق خصوصا أن الجرود الواسعة والطبيعة الجغرافية تساعدان المسلحين على الانكفاء في اتجاهها، ومع ذلك فوحدات الجيش ستستمر في حملات المطاردة حتى السيطرة الكاملة على تلك المناطق وفقا لمسؤولي الجيش.