العمل في الحرمين
أذكر أن اثنين من بني عمومتي بقيا يعملان في الحرم المكي سنين طويلة برغم توافر فرص وظيفية أفضل في مواقع أخرى. كان الرجلان من خيرة من عرفت، بل إن عملهما في هذا المكان المقدس جعل منهما قدوة لكافة الأسرة، إذ تعلما من هذا العمل العظيم الكثير من السلوكيات والأخلاقيات التي ميزتهما عن غيرهما من أفراد الأسرة.
توفي الرجلان وتبعتهما دعوات الناس إلى اليوم بسبب ما كانا عليه من الخلق الرفيع والعفاف. هذه الصفات الجميلة كانت جزءا من تكوين شخصيات أغلب من عملوا في الحرمين الشريفين، وهي مطلب مهم اليوم من كل شخص له علاقة بأقدس بقاع الأرض.
إن عملية اختيار الأفراد الذين يعملون في الحرمين الشريفين بحاجة لإعادة نظر. أبني قولي على ما يشاهده الناس من سوء تعامل بعض العاملين مع زوار الحرمين، أو إساءتهم للمكان من خلال سلوكيات لا يمكن قبولها، أو التجاوزات اللفظية التي يلاحظها كثير ممن يرتادون هذه البقعة المقدسة.
هذا لا يعني أنني أبرئ كثيرين ممن يقدمون لمكة المكرمة والمدينة المنورة من الخطأ والتجاوز والإساءة للمكانين، بل إنني على يقين أن كثيرا من النتائج الخاطئة التي تظهر على شكل سلوك أو لفظ سيئ، هي في واقع الأمر ردة فعل على سلوك أو لفظ أكثر إساءة للمكان وقدسيته.
تبقى أهمية الخلق الحسن مسيطرة على توقعاتنا من العاملين لأنهم من يمثلون الإسلام لدى كثير ممن يزورون الحرمين. ذلك أن التعامل المباشر مع العاملين في الحرمين هو أقرب اتصال بالنسبة لأغلب زوار المكان، وهم يأتون مرة واحدة في أعمارهم. هذا ينتج قناعات وآراء يتبناها الزوار والعمار والحجاج وينقلونها بالتالي لمن وراءهم في مختلف دول العالم الإسلامي.
إذا لا يمكن أن نترك للواسطة أو المحسوبية دورا في التعيين والترقيات في الحرمين الشريفين، بل إن تقويم الأداء الوظيفي للعاملين هنا لا بد أن يكون أكثر صرامة منه في أي مكان آخر.
يجب العمل على تحفيز السلوك الحسن والتعامل اللين مع من يصلون إلى هذين المكانين، وتحسين جاذبية العمل في الحرمين الشريفين من خلال ضمان رواتب أفضل ومزايا في مجالات الإسكان والتأمين وغيرها، والمحاسبة الشديدة لكل المخالفين.