كانيدا .. وجوارديولا
في كرة القدم، عرف العالم مدارس فنية تدريبية رئيسية على مدى التاريخ، الأولى هي المدرسة البرازيلية، الإنجليزية، الإيطالية، الهولندية، والألمانية.
وبين تلك المدارس، كانت هناك ثقافات فنية رياضية تمزج بين هذه وتلك، لكنها لم تصل إلى تأسيس حقيقي لمدرسة قائمة بذاتها، كالأرجنتينية، والفرنسية والأوروجويانية.
وفيما تتقاطع الهولندية والألمانية في بعض النقاط، إلا أنهما عجزتا عن تصدير حقيقي لثقافتيهما الفنية بسبب صعوبتها وحاجاتها لقدرات بدنية وانضباطية خاصة وعدم مغادرة الكثير من مدربيهما خارج نطاق قارتهم مقارنة بالمدارس الأخرى.
ولأن عشاق الكرة يبحثون عن المتعة الكروية، لم تلق أيضا مدرستا الإنجليز والطليان رواجا كبيرا مقارنة بالبرازيلية التي تسيدت العالم فترة طويلة من الزمن. تنقسم مدرسة السامبا إلى قسمين: البرازيلية التقليدية وأبرز روادها فيسنتي فيولا الذي قاد بلاده في مونديالي 58 و 1966، وفي الأول فاز باللقب على الأراضي الأوروبية ودون خسارة، ومواطناه زاجالو، تيلي سانتانا، وإيموري موريرا، وتعتمد هذه المدرسة على إطلاق قدرات اللاعبين الفردية إلى أقصى مداها، ومهاجمة المنافس بكل الطرق والسبل، وحين عرف العالم الطرق الدفاعية المعقدة، ظهرت أصوات تنادي بأن المتعة لا تؤكل عيشا، فظهر القسم الثاني من المدرسة البرازيلية التي يمكن تسميتها الواقعية وأبرز من صدّرها المدرب الكبير كارلوس بيريرا، وخلفه في حمل الراية فيليب سكولاري.
ظلت المدرسة البرازيلية التقليدية في صدارة المشهد الرياضي عربيا، وبدأت في التلاشي شيئا فشيئا مع تحولها للواقعية، حتى غزت المدرسة الإسبانية الجديدة العالم الكروي بمنتخباتها وفرقها الساحرة، التي تقدم المتعة كخلاصة لمزيج المهارة والانضباطية التكتيكية، أي خلطة خاصة تعتمد على مقادير متساوية من المدرستين الهولندية الشاملة والبرازيلية التقليدية.
اشتهرت المدرسة الإسبانية عبر نادي برشلونة الإسباني، بمدربه جوارديولا، رغم قدمها قبله، وهو الذي استفاد من مخرجات أكاديمية "لا ماسيا"، وجوزيب نفسه أحد خريجي هذه الأكاديمية العملاقة. "لا ماسيا"، أكاديمية قديمة مرت بفترات تاريخية مختلفة حتى استقر بمديريها الحال على أن تكون مقرا للتدريب وتأهيل الناشئين بإشراف كامل من الهولندي رينوس ميتشلز الأب الروحي والمؤسس للكرة الشاملة في مونديال 1974عبر منتخب هولندا.
صعدت الكرة الإسبانية إلى السماء على كتفي الشاب جوارديولا، وكانت ثمار ذلك ألقابا مونديالية وقارية على مستوى الأندية والمنتخبات، مدعومة بأسماء لامعة أغلبهم مروا من تحت قبة "لا ماسيا"، بمن فيهم الأرجنتيني ليونيل ميسي.
تعتمد المدرسة التدريبية الإسبانية على تدوير الكرة بين أعضاء الفريق وإجهاد الخصم، قبل الإجهاز عليه، دون أن تفقد الانضباطية في الواجبات، ومدعومة ومعززة لمهارات اللاعبين وطاقاتهم الفردية، ومبتعدة عن الرسوم الميدانية الشكلية، إذ إن الجميع مهاجمون أثناء الهجوم، ومدافعون لحظة الدفاع. وحتى تنجح في بسط سيطرتها على الملعب، تحتاج إلى عوامل كثيرة أهمها اللياقة العالية، المهارة المتفردة في التحكم في الكرة في أضيق المساحات، التناقل الدقيق للمدورة، التركيز الذهني العالي، الارتداد للأمام والخلف بالسرعة ذاتها.
راؤول كانيدا واحد ممن مروا على "لا ماسيا"، تشرب الثقافة من معينها الأول، معجب حد الثمالة بها، يحمل في عقله ودفاتره كل ما صدرته الأكاديمية التاريخية، ولكنه لم يسأل نفسه: هل كان جوارديولا سينجح في حيازة ثلاثة عشر لقبا مع برشلونة بالمدرسة الساحرة لو لم يكن بين صفوف الكاتالوني، أنيستا، تشافي، ميسي، بويول، وآخرين ممن تخرجوا عن "لا ماسيا"، وتشربوا مبادئها منذ الصغر؟ وهل ينفع استيراد النموذج الماليزي مثلا وتنفيذه على أي مجتمع آخر لتحقيق النهضة ذاتها، دون النظر إلى القدرات الموجودة؟ سأشتاق لك يا راؤول.