هل انخفض سعر النفط أم ارتفع سعر الدولار؟
المتابع للأسواق العالمية اليوم يجد التذبذب الواضح في أسعار النفط التي تميل إلى الانخفاض، ومع تباين آراء المحللين عن سبب هذا الانخفاض الذي عزاه البعض إلى تشبع سوق النفط وتباطؤ عام في الاقتصاد العالمي، والبعض الآخر يعزو انخفاض الأسعار إلى أسباب سياسية دافعها الضغط الأمريكي على روسيا باعتبارها أحد أكبر مصدري النفط في العالم، إضافة إلى اعتبارات أخرى تهدف من خلالها الولايات المتحدة إلى الضغط على أطراف دولية اقتصاديا لتحقيق أهداف سياسية، كما أن البعض الآخر يجد في التقدم التقني فيما يتعلق بإيجاد بدائل للطاقة النفطية تهديدا يمكن أن يكون سببا في هذا الانخفاض في أسعاره. وتذبذب الأسعار عموما من المسائل المسلمة في السلع، ولذلك ينبغي أخذها بالاعتبار على أساس أن العرض والطلب والعوامل المتعددة تؤثر قطعا في الأسعار، فكما أن بعض العوامل كانت سببا في هذا الارتفاع غير المتوقع للنفط، فإن نزول الأسعار أمر ممكن إذا ما وجدت أسباب لذلك.
ولكن السؤال هنا هل نزول أسعار النفط حاليا حقيقي؟
الواقع الحالي يؤكد أن تراجع أسعار النفط تزامن مع الارتفاع المطلق للدولار، فالدولار حاليا يشهد ارتفاعات مقابل العملات الأخرى بل يشهد ارتفاعا مقابل سلع رئيسية مثل الذهب، وفي حال ارتفع سعر الدولار فمن المنطقي أن يتبع ذلك انخفاض في أسعار السلع ومنها النفط، بمعنى آخر عندما نقارن سعر النفط بالدولار مقارنة بأسعاره بعملة أخرى أيا كانت سواء اليورو أو الين أو الجنيه الاسترليني، سنجد أن حجم الانخفاض متباين فيما بينها ما يعني أن الانخفاض الحالي لا يمثل تهديدا حقيقيا لمصدري النفط باعتبار أن الانخفاض هو في مقابل عملة واحدة يسعر بها النفط وهي الدولار، أما في مقابل العملات الأخرى فقد لا يوصف ذلك بالانخفاض الكبير. وهذه المعادلة بسيطة تعني أن برميل النفط قد يكون بقي سعره مثلا بما يعادل 70 يورو، لكن انخفض السعر بالدولار.
بعض الكتاب والمحليين بدأ عده التنازلي لزمن الطفرة وبدأ يضع صورة قاتمة لما سيكون عليه الحال في المستقبل القريب، خصوصا بعد البدء في مشاريع عملاقة قد يحتاج إنجازها إلى سنوات، وكأن هذه المشاريع سوف تدخل في حالة الانتظار إلى أن تأتي طفرة نفطية جديدة يتمكن الاقتصاد من خلالها إكمال ما بدأه من مشاريع التنمية. وهذه الصورة القاتمة اعتمدت على جملة واحدة مضمونها أن المملكة قد تشهد عجزا في عام 2015، علما بأن حجم الدين حاليا مقارنة بالناتج المحلي انخفض إلى أدنى مستوياته حيث يبلغ 2.7 في المائة، وهذا أمر شبه مستحيل في كثير من اقتصاديات الدول المتقدمة التي يتجاوز حجم الدين العام الحكومي فيها حجم الناتج القومي لها.
تقرير صندوق النقد الدولي الذي تناقلته وسائل الإعلام غاب عنه التفصيل، ولكن في المقابل جاء في تقرير خبراء صندوق النقد في إطار مشاورات المادة الرابعة لعام 2014 عن المملكة العربية السعودية ما يلي: "أهم القضايا، السياق: حقق اقتصاد المملكة العربية السعودية معدلات نمو قوية للغاية خلال السنوات الأخيرة مستفيدا من ارتفاع أسعار النفط والناتج النفطي، وقوة نشاط القطاع الخاص، والإنفاق الحكومي. وكان للاقتصاد السعودي دور مؤثر في نظام سوق النفط العالمية واستقرارها، كما لم يتأثر بالتقلبات الأخيرة التي شهدتها الأسواق المالية العالمية. وتشهد السعودية نموا في تعداد سكانها، وأغلبهم من الشباب، ويزداد عدد الحاصلين منهم على تعليم رفيع المستوى. الآفاق والمخاطر: الآفاق الاقتصادية إيجابية في الأجل القريب. فمن المتوقع أن يكون التغير طفيفا في إنتاج النفط مقارنة بعام 2013، بينما سيرتفع النمو غير النفطي مدفوعا بقوة نشاط القطاع الخاص والإنفاق الحكومي على المشروعات الضخمة في البنية التحتية لقطاع النقل وفي قطاع الإسكان. ويُتوقع أن يظل التضخم منحسرا، وتمثل سوق النفط العالمية المصدر الرئيسي للمخاطر..."
(للتفاصــــيل http://www.imf.org/external/arabic/pubs/ft/scr/2014/cr14292a.pdf).
لا شك أن مسألة مخاطر تراجع الناتج المحلي أمر لابد من أخذه بعين الاعتبار، وفترات الطفرة والرخاء يجب أن تجعلنا أكثر حذرا من الفترات الأخرى، ولكن لا ينبغي إطلاقات تضخيم الأمر بما يؤثر في المواطنين، مما قد يؤدي إلى تقلبات في الأسعار في السوق المالية دون مبرر، بل قد يؤدي إلى تراجع البعض في خططه ومشاريعه، خصوصا أن المملكة سعت خلال الفترة الماضية إلى تعزيز فرص وإمكانات القطاع الخاص بما يدعم نمو الناتج المحلي من خلال هذا القطاع، كما أن الدولة تبذل جهودا لإصلاح سوق العمل، وتأهيل القوى العاملة الوطنية، إضافة إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي، وتهيئة المدن الرئيسية من خلال الإنفاق الكبير على مشاريع البنى التحتية.
فالخلاصة أن انخفاض أسعار النفط يعتبر محدودا إذا ما نظرنا إلى الصورة الكاملة للاقتصاد العالمي، باعتبار أن أحد العوامل هو ارتفاع سعر الدولار، ولا يمكن الاعتماد على جملة واحدة غير مؤكدة لتقرير صدر عن صندوق النقد الدولي عن احتمال حدوث عجز في موازنة عام 2015 لرسم صورة قاتمة للاقتصاد الوطني في المستقبل القريب، خصوصا مع وجود تقارير أخرى متفائلة، وهذا لا يعني عدم الأخذ بالاعتبار مسألة الحذر وحسن التخطيط، فأهميته في فترات الطفرة والرخاء أكبر منها في الفترات الأخرى.