هونج كونج.. احتجاجات ومخاوف من إعادة تصدير الاشتراكية
أصبحت المظلات رمزا لحركة الاحتجاجات في هونج كونج بعد أن استخدمها المحتجون لدرء مسحوق الفلفل والغاز المسيل للدموع التي استخدمتها الشرطة ضدهم يوم الأحد. والغريب، بحسب بعض المراقبين، أن الرقابة الصينية التي منعت المناقشات حول احتجاجات هونج كونج على الإنترنت لم تمنع بعد عمليات البحث عن "ثورة المظلات" وإن كان هذا قد لا يدوم طويلا. حيث عرف عن الصين حجبها لمواقع أجنبية شعبية مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب خوفا من أن يؤدي تبادل الصور والمعلومات بين أكثر من 600 مليون مستخدم للشبكة العنكبوتية إلى اضطرابات اجتماعية.
###تاريخ الأزمة
تكثفت حركة الاحتجاج في المستعمرة البريطانية السابقة منذ الأحد مع عشرات آلاف المتظاهرين الذين يهتفون يوميا مطالبين بالاقتراع المباشر، الأمر الذي يسبب أخطر أزمة سياسية منذ إعادة هونج كونج إلى الوصاية الصينية في 1997. وهذه الاضطرابات، في تقدير المراقبين، هي الأسوأ منذ عودة هونج كونج المستعمرة البريطانية السابقة إلى سيادة الصين في 1997.
وعادت هونج كونج إلى سيادة الصين بموجب صيغة سميت "دولة واحدة ونظامان" سمحت بقدر كبير من الحكم الذاتي والحريات لا تتمتع به الصين نفسها. وتريد الصين ان تقتصر الانتخابات على عدد قليل من المرشحين الموالين لبكين. ويشهد وسط هونج كونج اضطرابات في حركة النقل مع إقفال فروع المصارف في وسط المدينة، وإلغاء رحلات الأعمال، في ما يشكل انعكاسا بدأ يلقي بثقله سلبا على النشاط في هذه المدينة في جنوب شرق الصين البالغ عدد سكانها سبعة ملايين نسمة والتي يعادل اقتصادها اقتصاد تشيلي أو الفلبين أو مصر أيضا.
وهذا الدور الذي تلعبه هونج كونج كموقع مالي، بني بصبر وتؤدة وخصوصا خلال النصف الثاني من القرن العشرين بيد أبناء هونج كونج وصينيين هربوا على أثر تولي الشيوعيين الحكم في بكين في 1949، والبريطانيين وغربيين آخرين.
وذكر المحلل المستقل هاورد ويلدون أنه "خلال الفترة الاستعمارية البريطانية، شهدت هونج كونج فترة سلام سمحت لها بالازدهار في القرن الماضي"، وأورد في الوقت نفسه بعض الأحداث التي وقعت بين مختلف شرائح المجتمع التي توالت في الماضي. وهذا الحراك الكبير لم يدفع إلى التشكيك بهونج كونج بوصفها ملاذا مطمئنا للاستقرار عند مفترق طرق النفوذ الأمريكي والسوفياتي والصيني خلال الحرب الباردة. وعودة المستعمرة إلى الحضن الصيني قبل 17 عاما لم تزعزع هذا التوازن الثمين أمام المستثمرين على الرغم من التوترات المستمرة بين القوى الموالية للديمقراطية والذين ينتهجون الخط الرسمي الصيني.
#2#
###مخاطر وتهديدات
بدأت "ثورة المظلات" تلقي بثقلها على الاقتصاد المحلي وما يخشاه المحللون هو أن يؤدي ذلك إلى اهتزاز موقع هونج كونج كمركز مالي دولي في حال تفاقم الوضع. خصوصا أن سوق هونج كونج تعتبر بمثابة السوق الثالثة الأكثر فعالية في العالم بعد سوقي نيويورك ولندن بحسب التصنيف الذي وضعه مجلس "زد/ين" ومقره في العاصمة البريطانية، بالاستناد إلى دراسة شاملة نصف سنوية متخصصة.
إذا بقي المتظاهرون في الشارع "ستتأثر السياحة والتجارة اللتان تمثلان معا 10 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي للمدينة، بشكل كبير"، يقول غاريث ليذر من مركز "كابيتال إيكونوميكس" للأبحاث الذي يعتبر أن هونج كونج قد تغرق في الانكماش عندئذ. لكن العواقب المالية لاحتمال تفاقم الأزمة هي التي تشد الانتباه خصوصا وتؤجج المخاوف لأن الجزيرة والأراضي التابعة لها تمثل أداة رئيسية في الآلية الرأسمالية في المنطقة وما أبعد منها.
وبحسب ايفان تسيليشتشيف أستاذ الاقتصاد في جامعة الإدارة في نييجاتا في اليابان والمتخصص في شؤون المنطقة، فإن نقطة قوة هونج كونج في المجال النقدي غير مهددة إلا بشكل هامشي لأن "السلطات الصينية وسلطات هونج كونج تتمتع بما يكفي من السلطة والموارد لاحتواء اضطرابات كبيرة".
لكنه أضاف أن "هذه الاحتجاجات تبرز الخطر السياسي المرتبط بممارسة دولة ونظامان" التي وضعتها بكين منذ 1997. وقال إن الخطر بالتالي ذو صفة بنيوية، وسيفكر فيه المستثمرون كثيرا من اليوم فصاعدا". وسيتوقف كل شيء على طريقة تعامل السلطات مع حركة الاحتجاج. فبكين تدرك جيدا التأثير المدمر الذي يمكن أن تخلفه صور القمع العنيف على اقتصاد هونج كونج والصين بكاملها.
#3#
###سناريوهات محتملة
يقول ليذر من مركز كابيتال إيكونوميكس الاستشاري إن حكومة هونج كونج لن تتساهل بالتاكيد لفترة طويلة مع احتلال الشوارع التجارية الرئيسية وقد تأمر الشرطة باستخدام القوة لإخلائها. ولا يمكن أن نستبعد قيام الحكومة الصينية بإرسال الجيش". وأضاف أن "مثل هذا السيناريو سيوجه ضربة لموقع هونج كونج كمركز مالي دولي يعتمد على بقاء دولة قانون وحكومة مستقرة ونوعية حياة مقبولة". والمدينة - الدولة في سنغافورة ستكون ولا شك المستفيدة الرئيسية من الرحيل المحتمل لمصارف كبرى عدة وخدمات مالية إذا أدت الأضرار الجانبية لحملة القمع إلى الإساءة كذلك لمكانة مركزي شنزن وشنغهاي الصينيين.
وعن جدوى تدخل المستعمر البريطاني السابق، في حل هذ الأزمة. يذكر أن الحكومة البريطانية كانت الأولى في تذكير بكين بالتزاماتها حيال التظاهرات المطالبة بالديمقراطية في هونج كونج لكن دون أن يخالج هذه القوة الاستعمارية السابقة أي وهم بشأن حجم تأثيرها بعد 17 عاما من إعادة هذه الجزيرة إلى الصين.
فقد دعت الخارجية البريطانية الإثنين إلى إجراء "مباحثات بناءة" فيما أعرب رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الثلاثاء عن "قلقه الشديد" كما أعلن الرجل الثاني في الحكومة نيك كليج في هذا الإطار استدعاء السفير الصيني لإبلاغه بـ"قلق" لندن و"انزعاجها". ولكن رد الفعل المتدرج هذا لا يخفي حقيقة أنه "لا يمكن لأي دولة في الواقع ولا حتى بريطانيا القيام بشيء إذا ما اختارت بكين أسلوب القمع"، كما أوضح ريتشارد أوتوواي رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم لفرانس برس.
وأكد "رود ويي" المتخصص في شؤون آسيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية "رويال إنستيتيوت أوف إنترناشونال أفيرز" هذا الرأي قائلا "في الواقع لا يمكن لبريطانيا ولا لغيرها من الدول سوى الاعتماد على قدرتها على الإقناع". وأضاف لفرانس برس "يجب أن نعبر عن دعمنا لتطلعات سكان هونج كونج في المزيد من الديمقراطية لكن لا يبدو أن الصينيين سيقبلون ذلك".
###حل وحيد
من جانبه، اعتبر أطهر حسين مدير مركز الأبحاث الآسيوية في مدرسة لندن للاقتصاد " لندن سكول أوف إيكونوميكس" إنه من الأنسب الإبقاء على الضغوط كحل وحيد في غياب وسيلة أفضل. وقال لفرانس برس "إنهم لا يستطيعون اللجوء إلى القوة المفرطة لأن هذا الأمر ستكون له تبعات على علاقات الصين مع باقي العالم وبصورة أكثر دقة مع تايوان ولو في مستقبل قريب". وأضاف هذا المحلل أن "تعبير بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية عن رفضها يمكن على الأقل أن يحث الجانب الصيني على المزيد من ضبط النفس".
وما يزيد من احتمال تحقق هذه النتيجة أن الحركة في هونج كونج لا تشكل تهديدا للدولة الصينية ولا لقادتها في الوقت الراهن. لكن هذا الوضع قد يتغير بصورة جذرية إذا ما امتدت حركة الاحتجاج إلى الصين القارية الأمر الذي سيهدد القيادة الصينية. وشدد نيك كليج قبل لقائه مع السفير الصيني على أن شعب هونج كونج " له الحق وكامل الشرعية في الحصول على انتخابات حرة وعادلة".
وقال "على بريطانيا والصين التزامات رسمية تجاه شعب هونج كونج فيما يتعلق بحماية حقوقه وحرياته وفقا لبنود الإعلان المشترك الموقع عام 1984 من رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر". هذا الإعلان أرسى في الواقع قواعد القانون الأساسي الصيني لهونج كونج الساري العمل به في هذه الأراضي منذ عام 1997. ويقضي هذا الإعلان بأنه عملا بموجب المبدأ الذي يطلق عليه "دولة/نظامان" لا يمكن لبكين تصدير الاشتراكية الصينية إلى هذه المنطقة التي كانت ملحقة بالتاج البريطاني لمدة 155 عاما والتي يجب أن تحتفظ بنظامها الرأسمالي لفترة انتقالية من 50 عاما.