رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ما الغاية من فرض الرسوم على الأراضي البيضاء؟

في بداية المقال نهنئ أنفسنا بيوم الوطن، وهذا اليوم الذي يعيد لنا ذكريات نعمة وحدة هذا الوطن وأمنه واستقراره، ونتطلع فيه إلى مزيد من التنمية في ظل عناية حكومية بالتنمية في المجتمع. نسأل الله أن يديم علينا نعمة الأمن والاستقرار، ويوفق خادم الحرمين الشريفين وولي عهده وولي ولي العهد لكل ما فيه خير للبلاد والعباد.
النقاش في موضوع فرض الرسوم على الأراضي البيضاء أخذ أبعادا متعددة في المجتمع، حيث عرض أخيرا على هيئة كبار العلماء، وحظي هذا الاجتماع باهتمام غير مسبوق من قبل المواطنين والمؤسسات الإعلامية، وانتهى الاجتماع إلى عدم البت في الموضوع وإحالته إلى المجلس الاقتصادي الأعلى لدراسته ومن ثم عرضه على هيئة كبار العلماء مرة أخرى. والحقيقة أن عرض هذا الموضوع بالتفاصيل التي سربت - كما ذكر الدكتور عبد الرحمن السلطان في مقال له بصحيفة «الجزيرة» عقّد النظر فيه لدى هيئة كبار العلماء، إذ إن المسألة لا ترتبط بجواز فرض الرسوم على الأراضي البيضاء بما تقتضيه المصلحة العامة أو عدم جواز ذلك، ولكن جاء في صورة مسألة بعينها بكامل تفاصيلها من قبل وزارة الإسكان فيما يتعلق بالرسوم على الأراضي البيضاء.
الحقيقة أن الأغرب في النقاش الدائر فيما يتعلق بفرض الرسوم على الأراضي البيضاء هو أن الهدف والغاية هما خفض أسعار الأراضي بطريقة لم تراع طرفي المعادلة وهما مجموعة كبيرة من المواطنين الذين لا يملكون سكنا من جهة، ومواطنون من تجار العقار الذين يبسطون أيديهم على مناطق واسعة من الأراضي دون أي بادرة أو رغبة في بيعها أو حتى تطويرها. ومن خلال النظر في هذه الغاية نجد أنها تؤدي إلى قصد الإضرار بالبعض مقابل رغبة الأغلب، فهل هذا يحقق العدالة؟
لا شك أن السكن ضرورة للإنسان، والمواطن يستحق أن يحظى بعناية تمكنه من الحصول على سكن بالوسائل المختلفة، ولكن الرغبة الجامحة لفرض الرسوم بغرض تخفيض أسعار الأراضي قد لا يحقق هذا الهدف، بل قد يوجد مشكلة أخرى تضر بالنشاط العقاري في المملكة، ولذلك من المهم تحديد الهدف من الرسوم دون النظر إلى مسألة الأسعار باعتبار أن الغاية هي الحد من احتكار الأراضي داخل النطاق العمراني، وتخفيف أعباء ومصاريف توفير الخدمات للأراضي، بل تحفيز الجهات الخدمية لتوفير الخدمات للمواقع التي لا تتوفر فيها الخدمات بصورة متكاملة باعتبار أن ذلك سيوفر لها دخلا إضافيا، وهذه الآلية تقوم على أساس أن تفرض رسوم الخدمات على كل قطعة أرض تتمتع بوصول الكهرباء والماء والمجاري وغيرها من الخدمات، وذلك بعد مدة محددة من إيصال تلك الخدمات، وهذا بديل لرسم تشغيل الخدمات الذي تفرضه شركتا المياه والكهرباء على المستفيد بعد البناء عندما يتقدم المواطن بذلك، وهذا يحقق مجموعة من الأهداف منها تشجيع شركة الكهرباء والمياه لتطوير الأراضي لتستفيد من الرسوم المفروضة عليها، ويستفيد المواطن بسرعة تنفيذ هذه المشاريع، ومنها تخفيف العبء على المواطن بدفع كامل رسوم توصيل شبكة الكهرباء والمياه لسكنه الخاص أو بنائه التجاري، إن هذه الرسوم في مقابل خدمة متحققة وهذا قد يحقق عدالة في المعاوضة بين الطرفين، ومنها أن هذه الرسوم تحقق دخلا مستديما لشركتي المياه والكهرباء للاستمرار في مشاريع إيصال الخدمات للمواطنين، إن ذلك سيشجع على استثمار وتطوير الأراضي بدلا من الاحتفاظ بها، إذ إن بعض الأفراد وبغرض تحقيق الاستقرار لذريته يتملك أراضي يمنحها لأبنائه الذين قد لا يستفيدون منها إلا بعد عشرين عاما، ومن الأهداف غير المباشرة الحد من الاحتكار للأراضي، وتوفير فرص العرض والطلب الذي يحدد الأسعار المنطقية للعقار سواء السكني أو التجاري. كما من المؤمل أن تكون هذه الرسوم حافزا لتطوير وسائل وطرق الاستثمار العقاري، ومن الممكن أن يتم تحفيز ملاك العقارات خصوصا القطع الكبيرة جدا وغير المطورة داخل النطاق العمراني بأن تتكفل أمانات المناطق بتطوير هذه الأراضي على حسابها ولا يفرض عليهم رسوم إلا بعد اكتمال تطويرها بما يمكن المواطن من الاستفادة منها، كما أن أي إجراء لا بد أن يأخذ في الاعتبار الآثار السلبية التي قد تؤثر في الاقتصاد بسبب أن مجموعة من هذه الأموال قد تغادر للاستثمار خارج البلاد.
لا شك أن الرغبة الجامحة في الضغط على أسعار العقار لتنخفض بصورة مطلقة قد يكون فيه ظلم لبعض ملاك العقارات، وقد لا تحقق بالضرورة حلم كثير من المواطنين بتملك السكن، إذ إن التضخم الحاصل في قطاع التطوير العقاري ناشئ بسبب عدة عوامل: منها ارتفاع تكلفة الأراضي السكنية وارتفاع أسعار كثير من مواد البناء، والارتفاع الكبير في تكلفة القوى العاملة في هذا القطاع، إضافة إلى مجموعة من الأعباء المالية التي فرضتها وزارة العمل بغرض تشجيع التوطين للوظائف، التي جعلت بعض المقاولين يقتص هذه التكلفة بطريقة غير مباشرة من المواطن، كما أن تأخر المشاريع السكنية لوزارة الإسكان كان له أثر في تأخر فرصة تملك المواطن للسكن.
فالخلاصة أن فرض الرسوم على الأراضي البيضاء بغرض تخفيض أسعارها بصورة مطلقة قد يكون له آثار سلبية، ولكن فرض الرسوم مقابل الخدمات المقدمة للأراضي حق مشروع وبناء عليه ينبغي العمل على تحفيز وتنشيط السوق العقارية بما يحد من الاحتكار ويشجع ملاك العقارات على تطويرها أو عرضها في السوق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي