الصوت العميق
إذا ركضت وراء أحلامك بسرعة ستجد الكثيرين من حولك يقولون لك توقف، أو تمهل. بعضهم سيعترض طريقك ويقول: إلى أين تتجه؟ هذا الطريق ليس طريقك وهذا المضمار ليس ملعبك. لم تلتفت السيدة، منال حمد المفدى، لكل هؤلاء. أصغت إلى صوت واحد يهتف في أعماقها قائلا: استمري يا منال. ستصلين إلى ما تبتغين. لم يضمر هذا الصوت أو يهدأ في جوفها. ظل يدفعها. تحول إلى مشجعين يلوحون لها طوال سباقها نحو حلمها. كان هذا الصوت الماء، الذي يروي ظمأها والوقود الذي يسد نهم جوعها.
منذ أن تخرجت منال في جامعة الملك سعود متخصصة في النبات والأحياء الدقيقة وهاجسها الرئيس يتجسد في إقامة مشروع يعنى بتنظيم المنزل. كان وما زال المنزل غير المنظم يزعجها ويوجعها. كانت تبحث عن حلول مختلفة لاستثمار كل فكرة تجعل غرفتها أكثر ترتيبا، وخزانة ملابسها أكثر تنظيما، وحجرة غسيلها أذكى توزيعا. حشدت في ملف مستقل على سطح مكتب كمبيوترها أفكارا كثيرة جمعتها من مواقع متفرقة وساعدتها على تنظيم بيتها. أصبحت منال قبلة لكل سؤال حول استثمار مساحة ضيقة في غرفة أو استغلال رف بشكل مناسب في مطبخ. تدرك منال مبكرا أن علاقتها بالتنظيم ونجاحها فيه سيؤدي إلى انتصار ما. لكن لا تعلم ما هو تماما. كانت تصرف الوقت والسفر في سبيل هذا الشغف مدفوعة بصوت يشحذ همتها ويفتك بكل الأصوات المناوئة. كلما تأثرت منال بالمثبطات أيقظها هذا الصوت محفزا وملهما.
عندما تعرفت منال على الإنستاجرام - موقع لمشاركة الصور والفيديوهات القصيرة - قالت بصوت خفيض لكنه عميق جدا: وجدتها. أحست أن هذه المنصة تخبئ لها نبأ جيدا. وضعت في حسابها فيه الذي أسمته الجوري aljwryy@ تيمنا بصغيرتها، العديد من الأفكار البسيطة لتنظيم المنزل، والغرف، والتسريحة، ودورات المياه، والمطبخ، والمستودع، والأدراج، وغيرها. أفكار بسيطة وذكية وفاعلة. فبعد أن كان يتهاتف عليها أصدقاؤها طلبا للنصح والمشورة أمسى الكثيرون في الخليج والوطن العربي يشدون رحال أصابعهم إلى حسابها بحثا عن إجابة أو فكرة. رأت منال ألا تقتصر المشاركات عليها. فتحت الباب للآخرين ليطرحوا رؤاهم واقتراحاتهم فاتسعت رقعة النجاح. اليوم ونحن في نهاية أيلول (سبتمبر) 2014 وصل عدد المتابعين في حسابها نحو 440 ألف متابع، وبات يدر عليها إعلانات متزايدة. وتتفرغ منال حاليا لإدارة حسابها المثمر. وما أجمل أن يتفرغ المرء لحلمه. يصرف وقته معه وبرفقته. تمضي أيام منال سريعة ومثيرة بينما غيرها يعيشون أياما مملة ورتيبة.
بوسع كل منا أن يعيش أجواء أفضل، لكن هذا المناخ يحتاج إلى تضحية وصبر. فالأجواء الماطرة تتطلب الكثير من تكاثف الهواء وتكوّن السحب. النجاح حزمة عمليات وإجراءات وقرارات تسفر عن نتيجة مشرقة. منصة التتويج لا تأتي إليك. أنت من يذهب إليها.