تساقط الجدران
أذكر أن أكبر العوائق التي منعت تعديلات كبيرة في صالة رياضية هو رأي المهندس الاستشاري الذي رأى أن أي تغيير في مواقع الجدران الاستنادية للصالة سيؤدي إلى إشكالات في المبنى، وقد يؤدي لسقوط أحد المدرجات. ثم مررت بتجربة خاضها أحد جيراني عندما بنى سور منزله دون قواعد أسمنتية، فسقط بمجرد أن بدأ مقاول في حفر الأرض المجاورة له.
تجربتان تعيدان للأذهان المثل القائل “أعط الخباز خبزه ولو أكل نصفه”. لكن مع الخبز ضرورات أخرى، منها التأكد من عدم وجود ثغرات في بناء الفرن تمنع وصول النار إلى الخبز، أو التلاعب في كميات ونوعية الدقيق التي تؤدي إلى رغيف أصغر من المطلوب أو أقل جودة.
فعندما تكون جدران المخبز متشققة وتفقد النار أثرها المطلوب سيتحول الرغيف إلى عنصر “مرضي” يمكن أن يسبب التلبكات المعوية وآلام المعدة. وهو حينئذ يتحول من واق للجسم من المرض إلى مسبب أكبر للمرض.
عندما يتلاعب الخباز أو صاحب المخبز أو موظفوه في نوعية الدقيق وكميته، عندها يمكن أن يأتي الرغيف فاقدا لونه وطعمه، وقد يكون فاقدا قيمته الغذائية التي تحددها الجهات الرقابية وتتأكد من التزام المخابز بها.
لكن الأكيد هو أن المخابز تختلف في طريقة عملها وفي التزامها بالمعايير المحددة. وما لم تعاقب المخابز المخالفة للنظام، فستحذو المخابز الملتزمة حذوها، لأن التفاحة الفاسدة لا بد أن تفسد ما حولها، فيفسد صندوق التفاح كله.
ستأتي مخابز بتبريرات لأرغفتها الفاسدة، سيقول قائل إن الدقيق يتعرض للحرارة والعوامل الجوية خلال نقله من الصوامع للمخبز، وسيقول آخر إن الكميات ستنكمش عندما تختلط بالماء ويختلف قوام العجينة.
ستأتي تبريرات لا تصدق، على شاكلة ما قاله أحد المهندسين المشرفين على جدار استنادي سقط على الرؤوس وقتل 16 إنسانا، هو يقول إن تربة جدة مختلطة بالماء، وهو يظن أنه اكتشف قانون الجاذبية، بل ويعتقد أنه يتحدث مع مجانين يصدقون ما يسمعون.
الحد الأعلى من تغلغل الفساد هو أن يعتقد المرء أنه مهما فعل فسيجد تبريرا للأخطاء بل والكوارث التي تنتج عن تجاوزاته، فيأتي التبرير باهتا لا طعم له ولا “مازية”.