أسكتلندا .. «شعبوية» الاستقلال تتحدى «براجماتية» السياسة و«ضرورات» الاقتصاد
تناقلت وكالات الأنباء والصحف العالمية باهتمام بالغ أخبار الدعوة لاستقلال أسكتلندا عن المملكة المتحدة، التي من المتوقع أن تحسم نتائج التصويت حولها يوم 18 سبتمبر المقبل. وتفاوتت الآراء كما استطلاعات الرأي ما بين مؤيد ومعارض، فالسياسيون الأوروبيون عموما متخوفون من أن يكون هذا الانفصال بذرة لانفصالات قادمة، تضر بمصالح الاتحاد الأوروبي، وهو ما بدا واضحا في دعوات كاتالونية، تجددت، للانفصال عن إسبانيا. فيما الاقتصاديون متأكدون بمن فيهم البنك الدولي من خطورة مثل هذا الانفصال وتأثيراته السلبية في الوضع الاقتصادي في أسكتلندا. وبحسب كثير من المؤرخين فإن قصة "الوحدة" منذ انطلاقتها لم تبن على أسس متينة "شعبيا"، وهذا كفيل بأن تتناوب التأثير عليها، المصالح القريبة والبعيدة.
###«زواج عقل»
إثر مفاوضات طويلة وُقعت في عام 1707 معاهدة الوحدة التي رسخت قيام المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى. ورغم أن أسكتلندا لم تجن فورا ثمار الانضواء تحت الراية البريطانية إلا أنها لم تنتظر طويلا لجني هذه الثمار حيث حققت ازدهارا أكبر من المنشود بالنظر إلى حجمها. وإضافة إلى دور الأسكتلنديين المهم في غزوات وإدارة الإمبراطورية البريطانية كان أيضا لمبتكريها الفضل في اختراع الهاتف والتلفزيون والبنسلين والرادار والمحركات البخارية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
وفي الذاكرة الشعبية بقيت الوحدة "اتفاقا غير شرعي فرضه سياسيون محتالون على الأسكتلنديين". أحد أكبر المؤرخين الأسكتلنديين، توم ديفاين، يرى أنه مع نهاية الإمبراطورية وتراجع البروتستانتية وانتقال السلطات بالفعل إلى إدنبرة ظهرت الضرورة لوحدة أنجلو-ساكسونية. وقال لصحيفة الجارديان إن "الوحدة بين إنجلترا وأسكتلندا لم تكن زواجا عن حب. لكنها كانت زواج عقل أملته مصلحة براجماتية". وأضاف "من 1750 إلى 1980 كانت العلاقة مستقرة. اليوم اختفت الأسس التي بني عليها هذا الاستقرار أو قلت إلى حد كبير".
كريس واتلي أستاذ التاريخ في جامعة دوندي (جنوب شرق أسكلتندا) يوضح أن النقاش حول هذه الوحدة كان محتدما كما هو اليوم. وقال لـ "فرانس برس"، "إن أسكتلندا اليوم بلد منقسم. كذلك في هذه الحقبة كان منقسما بعمق بشأن العلاقة مع إنجلترا"، وأضاف "أعتقد أنه كانت هناك أسباب جيدة للوحدة عام 1707. لم تكن شعبية لكنها كانت في صالح أسكتلندا".
#2#
وأوضح أنه "كان هناك قلق شديد، على الأقل لدى الطبقات الحاكمة الأسكتلندية، من أن تتخلف أسكتلندا عن ركب باقي أوروبا" في سياق نمو حركة التجارة الدولية. "لأنه لم يكن لأسكتلندا أسطول بحري قادر على مساعدة سفنها التجارية في أعالي البحار، كما أنه لم يكن لديها مستعمرات إمبراطورية مثل إنجلترا".
###«البقرة الحلوب»
وطرحت صحيفة التايمز، في وقت سابق، تساؤلا براجماتيا.. هل ستكون هناك حدود وهل سيتوجب استخدام جواز سفر للتنقل بين أسكتلندا وجيرانها؟ ربما نعم إن رفضت إدنبرة التقيد، كما يلمح الحزب الوطني الأسكتلندي بسياسة الهجرة التي تنتهجها لندن التي تزداد تشددا.
علاوة على ذلك دعت الخميس صحيفة الفاينانشيال تايمز، التي تتابعها أوساط الأعمال، الأسكتلنديين إلى رفض "المزاج الشعبوي" الذي اتهمت سالموند باستغلاله، وذلك في مقال افتتاحي لاذع. الشركات الأسكتلندية الصغيرة، الأقل تاثيرا في عالم الأعمال، تبدو أكثر انقساما. فقد وقع أكثر من 200 رئيس شركة في نهاية آب (أغسطس) على عريضة تدعو إلى الاستقلال. وردا على مذكرة لرؤساء شركات آخرين مؤيدين للاستقلال اتهم هؤلاء لندن بأنها تعامل أسكتلندا مثل "بقرة حلوب" ووعدوا ببناء مجتمع "أكثر عدلا ورخاء" ومتحررا من الوصاية اللندنية.
#3#
قبل أربعة أيام من تصويت الأسكتلنديين على إنهاء 300 عام من الوحدة مع باقي مناطق المملكة المتحدة تتوالى الاستطلاعات التي تحاول استطلاع رأي الأسكتلنديين تجاه الاستقلال. ووفقا لوكالة رويترز فقد أظهر استطلاع لمعهد يوجوف أن الوحدويين يتقدمون بفارق أربع نقاط على مؤيدي الاستقلال. وأوضح الاستطلاع الذي أجراه المعهد لمصلحة صحيفتي التايمز وصن أن نسبة دعاة الوحدة تبلغ 52 في المائة بفارق ضئيل عن مؤيدي الاستقلال ونسبتهم 48 في المائة باستثناء أولئك الذين قالوا إنهم لم يحسموا أمرهم.
وكان رئيس الوزراء الأسكتلندي ألكس سالموند قد قال في وقت سابق، إن أسكتلندا "على أعتاب صنع التاريخ" مخاطبا مجموعة من الصحفيين الأجانب في إدنبرة بعد 17 عاما من تصويت أسكتلندا لمصلحة استعادة برلمانها الخاص. واتهم سالموند رئيس الحكومة الانتقالية في إدنبرة، الحكومة البريطانية بـ "البلطجة والترهيب الفاضح"، وقال إن حملة "لا" المؤيدة للاتحاد في "حالة انهيار نهائي".
وبحسب كثير من المراقبين فإن تقارب الأصوات وتضييق الفارق في استطلاعات الرأي "هز القادة السياسيين في لندن". إذ أعلن كبار قادة الحزب الحاكم بزعامة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون على نحو غير متوقع رحلة منسقة إلى أسكتلندا يوم الأربعاء المقبل لدعم حملة من أجل الاتحاد. وفي معرض ترغيبهم الأسكتلنديين في الوحدة فقد أعلنوا أيضا دعمهم خطة لنقل مزيد من السلطات لأسكتلندا حال رفضها الاستقلال.
###ترغيب وتهديد
حملات الترغيب في الاستقلال تقابلها حملات تهديد وتخويف من الانفصال، يتبناه كثير من الجهات التجارية والبنكية، حيث تلقت حملة "لا" دفعة أخرى يوم الخميس الفائت عندما أكد "رويال بنك أوف سكوتلاند" أنه سينقل مقره الرئيسي إلى لندن في حال التصويت "بنعم". وقال البنك في بيان له "إن هذه الخطوة تعد الطريقة الأكثر فعالية للتعامل بوضوح مع جميع مالكي الأسهم وتخفيف المخاطر التي تم تحديدها سابقا في تقريرنا السنوي".
#4#
كما أوضح البنك مخاوفه مشددا "هناك علامات استفهام كثيرة حول الاستفتاء الأسكتلندي الذي يمكن أن تكون له عواقب على البيئة المالية والنقدية والقانونية ونظام التسوية والتصنيف المصرفي". هذه البادرة ليست منفردة فقد سبقها الأربعاء إعلان العملاق المصرفي البريطاني الآخر، بنك لويدز، عزمه نقل مقره من أسكتلندا إلى إنجلترا. يضاف إلى ذلك عملاق آخر في أسكتلندا هو مجموعة ستاندارد لايف الذي حذر أيضا من أنه سينقل، إذا اقتضى الأمر، إلى إنجلترا جزءا من الصناديق التي يديرها لحساب عملائه البريطانيين.
وفي المقابل سرعان ما ندد رئيس حكومة أسكتلندا الإقليمية وزعيم دعاة الاستقلال الكس سالموند بهذه المناورة "السياسية" التي تأتي في رأيه، بترتيب مسبق مع الحكومة البريطانية في وستمنستر. وفي محاولة للطمأنة أشار سالموند إلى بريد إلكتروني أرسله المدير العام لرويال بنك أوف سكوتلاند إلى الموظفين يؤكد فيه أن تغيير العنوان هذا لن يكون له أي تأثير في العاملين في أسكتلندا. يذكر أن "رويال بنك أوف أسكوتلاند" يوظف ما يقارب 11500 شخص في هذا الإقليم الشمالي.
من جهته، اعتبر صندوق النقد الدولي الخميس أن انتصار "النعم" في استفتاء استقلال أسكتلندا سيسبب حالة من الارتباك، وقد يثير خصوصا ردود فعل "سلبية" في الأسواق. وقال المتحدث باسم صندوق النقد الدولي بيل موراي في مؤتمر صحافي إن "أحد أبرز المفاعيل الفورية قد يكون غموضا في العملية الانتقالية نحو وضع نقدي ومالي مختلف في أسكتلندا". وأضاف أن "هذا الغموض قد يؤدي إلى ردود فعل سلبية على الأسواق على المدى القصير".
ورغم حرص الكس سالموند رئيس الوزراء الأسكتلندي وزعيم الحملة الداعية للاستقلال، على الطمأنة بالتأكيد على أن أسكتلندا المستقلة ستحتفظ بالعملة نفسها وبانتمائها إلى الاتحاد الأوروبي وبالولاء للملكة اليزابيث الثانية، إلا أن الزعماء السياسيين البريطانيين استبعدوا في الواقع أي وحدة نقدية بين باقي المملكة المتحدة وأسكتلندا إذا ما اختارت الاستقلال، رافضين وحدة نقدية بدون وحدة سياسية. بينما القطاع المالي يتساءل عمن سيتولى وظيفة المقرض الأخير (التي يقوم بها حاليا بنك إنجلترا) بالنسبة للمصارف التي ستبقى في الشمال.
مؤسسات أخرى غير بريطانية بدأت أيضا تتبنى موقف المعارضين للانفصال مثل البنك الوطني الأسترالي أو "ناشونال بنك أوف أوسترليا" الذي يمكن أن ينقل فرعه في أسكتلندا إلى الجنوب. من جانبه كرر العملاق النفطي بريتش بتروليوم، الناشط جدا في بحر الشمال، أن هذه الآبار ستكون مستغلة بشكل أفضل "إذا تم الإبقاء على قدرات ووحدة المملكة المتحدة". إلى ذلك ستطرح أيضا مسألة تقاسم الثروات النفطية في بحر الشمال. وتتوقع وسائل الإعلام البريطانية التوجه نحو توزيع على أساس جغرافي باتباع خط تقاسم مياه الصيد البحري، الأمر الذي سيعطي أسكتلندا 91 في المائة من العائدات.