المجتمع المدني .. التاريخ النقدي للفكرة

المجتمع المدني .. التاريخ النقدي للفكرة

يدرس هذا الكتاب التطور التاريخي والسياسي والنظري للطريقة التي صيغت بها نظريات المجتمع المدني خلال ألفين وخمسمائة عام من مسيرة الفكر السياسي الغربي، ويقدم جون إهرنبرغ هذا العمل تحت ثلاثة متون وسمَت برأيه هذا  التطور؛ أولها الفكر الكلاسيكي والقروسطي وهو الفكر الذي ساوى بين المجتمع المدني والجماعات المنظمة سياسيا الكومنولث، بينما كان لقوى الحداثة الأثر في نشوء تراث ثانٍ صاغ مفهوما جديدا عن المجتمع المدني بوصفه حضارة ممكنة نشأت بفضل المصلحة الفردية والمنافسة والحاجة، أما المتن الثالت فقد أعاد صياغة مفهوم المجتمع باعتباره ميدانا مألوفا للروابط الوسيطة يسهم في الحرية ويحد من سلطة المؤسسات المركزية. المؤلف هو جون إهرنبرغ أستاذ العلوم السياسية في جامعة (لونغ آيلند) الأمريكية، والناشط في الحقوق المدنية ومناهضة الحروب، يصفه برتل أولمان بأنه أحد ألمع نجوم كوكب النظر النقدي، كما يصف عمله المجتمع المدني/التاريخ النقدي للفكرة، وهو كتاب موسوعي يتألف من ثلاثة أقسام وتسعة فصول، بأنه مساهمة كبرى في كتابة تاريخ النظرية السياسية، كما يجده ستيفن إريك برونز بأنه دراسة وافية وعمل مكتوب بأسلوب جميل ويحمل منظورا نقديا مهما.
يتناول الفصل الأول أصول المجتمع المدني في الموروث الكلاسيكي الذي فهم المجتمع بوصفه جماعة منظمة سياسيا، وفهم التمدن من خلال وصف متطلبات المواطنة أكثر من وصف المشاعر الفردية الخاصة أو طرق السلوك الحسنة، ولأن العمل تاريخي يستمر تعقب الفكرة بمراحلها المختلفة عبر بقية الفصول، حيث يحلل الكاتب في الفصل الثاني خضوع تصورات الحياة السياسية الدنيوية للنظريات المسيحية عن المجتمع المدني، وكيف أن انهيار الحضارة الرومانية أضعف الفهم السابق للمجتمع بكونه جماعة منظمة سياسيا كما كان السبب بالعجز عن التنظير في السياسة باعتبارها ميدانا للقيم الإنسانية مئات السنين.
يعتبر جون إهرنبرغ أن الأنظمة الملكية المركزية حفزت ظهور نظريات حديثة متميزة عن السلطة والشرعية والسيادة، ومهدت للحداثة التي حلت في هيئة دول قومية مركزية وأسواق واسعة وحركات سياسية تطالب بالحرية، فلم يعد المجتمع المدني يُفهم باعتباره أمة شاملة إنما صار يعني ملكية خاصة ومصلحة فردية وديمقراطية سياسية وحكما للقانون ونظاما اقتصاديا مكرسا للازدهار.
النظريات الفلسفية أيضا يتناولها المؤلف في القسم الثاني في فصلين متتابعين، يستعرض فيها فهم جون لوك وأدم فيرغسون ثم يعرج على أخلاقيات كانط التي ظلت بلا مرجعية والإنسان الاقتصادي لهيغل وحلوله التي رفضها ماركس رغم أنه انطلق فهمه للمجتمع المدني من تحليل هيغل نفسه "لنظام الحاجات"، وماركس تحديدا هو من يجده إهرنبرغ المسؤول عن وصول التراث الفكري الحديث إلى نهاية مطافه، هذا التراث الذي يتصور المجتمع المدني ميدانا يتشكل عبر الإنتاج والطبقة ومايرافق ذلك من علاقات اجتماعية، لم يكن برأي المؤلف وأستاذ العلوم السياسية من حيث المبدأ عدائيا تجاه الدولة، لأن هذا التصور أثار سؤالا ملحا حول كيفية إخضاع ميدان تنافسي مشوش لإشراف عام، وبهذا الشكل يكون التراث قد طرح علاقة المجتمع المدني بالدولة بوصفها التساؤل الأساسي للحياة الحديثة ونبه تنبيها قويا إلى أن المجتمع المدني ليس ميدانا مستقلا لنشاط ديمقراطي قائم بذاته.
يستكمل الكتاب الفرع الرئيس الثاني من النظرية الحديثة في الفصل السادس، بينما يفحص في الفصل السابع من القسم الثالث كيفية التنظير للمجتمع المدني في الخطاب السياسي المعاصر عبر التركيز على تجربة أوروبا الشرقية، فدول الحزب الواحد لم تكن أبدا لها سجل من المسؤولية الديمقراطية ولم تكن قادرة على القبول بمستويات دنيا من النشاط الحر بسبب من التزامها التخطيط المركزي وارتيابها من المبادرات الاجتماعية العفوية، فكان من المنطقي أن ينظر المثقفون المنشقون للمجتمع المدني بمصطلحات ليبرالية للجمهوريات المقيدة بالدستور، إنها القيود الدستورية على سلطة الدولة في الولايات المتحدة هي من سحرت المنشقين الأوروبيين الشرقيين بشدة. في الفصل ماقبل الأخير يستعرض العمل جهود كل من حنة أرندت ويورغن هابرماس في بحثهم عن كيفية قيام نشاط ثقافي قوي بتحديد قدرة المجتمع المدني على إنجاز الوظيفة التوسطية المتأثرة بالنظرية التوكفيلية، لكن المؤلف يرى أن الثقة المطمئنة إلى أن المجتمع المدني هو الموقع المعاصر الأهم للنشاط الديمقراطي ستكون ثقة إشكالية ما لم يوسع منظروه من حقل بحثهم ويختبروا افتراضاتهم الموروثة، وهذا ما يستكمل المؤلف إثارته بنفسه في الفصل التاسع والأخير من خلال مناقشة بعض المسائل، فيقترح أن النزعة المحلية ربما لا تكون هي كل ما يجب إكماله، لأن مستويات اللامساواة الاقتصادية وضعت افتراضات الوظيفة التوسطية لتوكفيل محل تساؤل، وهو ما قام به ماككونيل وسدني فيربا في عمل نقدي يقول إن التنظيمات الوسيطة التي تلاقي الاستحسان الكبير لا تستطيع  أن توفر ثمرة الديمقراطية التي تنادي بها النظرية المعاصرة.
يخلص الكتاب إلى أن الوقت قد حان للذهاب إلى أبعد من التفكير المحدود وأبعد من الاحتفاء بالتشظي المحلي للتعاطي مع الأسئلة الكبيرة التي تطرحها العدالة الاقتصادية والنظرية الديمقراطية، فالتنظير للمجتمع المدني بمصطلحات محدودة مناهضة للدولة كما هو حال الخطاب المعاصر سيحول دون الإمساك بالممكنات المنبثقة عن الفعل السياسي.
الكتاب الذي بدأه المؤلف بالتعليق على مؤتمر الرئيس بشأن مستقبل أمريكا في عام 1997، ينتهي بالتعليل لانحلال "أمريكا المدنية" وأنه ناجم عن التغيرات في طبيعة العمل بدلا من كونه ناجما عن اعتياد الناس على مشاهدة التلفاز أو عن فردانياتهم، فالاقتصاد "ليس مجرد ميدان آخر للترابط مثل نوادي الكتاب والبولينغ أو جمعيات الأحياء السكنية؛ الاقتصاد هو مجموعة قوية على نحو استثنائي من العلاقات الاجتماعية التي تنفذ إملاءاتها وتخترق كما تنظم أوسع مجالات الحياة العامة والخاصة". 

الأكثر قراءة