دعوة جباية الزكاة على الأراضي البيضاء
دعا عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الله بن منيع ملاك الأراضي البيضاء للالتزام بدفع زكاة سنوية عليها، وذكرهم بعظم ذنب التخلف عن دفع الزكاة، وتشبيه الامتناع عن دفع الزكاة بترك الصلاة. وجاءت هذه الدعوة لتؤكد الرأي السائد بين كثير من الناس والمختصين الشرعيين بضرورة التصدي لخزن الثروة المتمثل في الاستثمار في الأراضي البيضاء. كما جاءت هذه الدعوة للتصدي لرأي كثير من ملاك العقار بعدم فرضية الزكاة في الأراضي البيضاء والعقار بشكل عام. وهنا أود أن أشيد بهذه الدعوة وشجاعة الشيخ في قول الحق في هذه المسألة، حيث تصطدم هذه الدعوة مع مصالح الكثير من المتنفذين ومجموعات الضغط على القرارات الحكومية.
لقد تدفقت على هذه البلاد الكريمة نعم عظيمة وكثيرة، التي من أهمها الثروة النفطية. وقد تولد عن الثروة النفطية ارتفاع كبير في الثروات النقدية التي توجه جزء كبير منها للاستثمار في الأراضي البيضاء، حيث ارتفعت أسعار الأراضي والعقار بشكل عام مع الارتفاعات المتوالية في الدخول النفطية. ولا يولد الاستثمار في الأراضي البيضاء أية أعمال أو وظائف، حيث تظل الثروة مخزنة دون حركة لسنوات طويلة على أمل ارتفاع أسعار هذه الأراضي. وقد أدت زيادة تدفق الثروات النقدية إلى رفع الاستثمار في هذه الأراضي مما ضخم أسعارها وأدى إلى ارتفاع عائد الاستثمار على هذه الأراضي إلى مستويات جيدة وآمنة. وجذب الأمان في هذا الاستثمار وارتفاع العائد لمزيد من الاستثمار في هذه الأراضي. لقد أصبحت الأراضي وعاء استثماريا لجزء كبير من ثروة البلاد مما حيد هذا الجزء من الثروة وقلل من فائدة هذه الثروة وقدرتها في التنمية وتنشيط الاقتصاد وتوليد الوظائف التي تحتاجها الأيدي العاملة. وقد أدى انخفاض تكاليف الاحتفاظ بالأراضي البيضاء إلى نحو الصفر إلى إطالة مدد الاحتفاظ بها. وقد تولد عن هذا رفع غير مبرر لأسعار الأراضي والعقار بشكل عام مما رفع من تكاليف توفير المساكن ورفع من تكاليف إنتاج السلع والخدمات. وأعتقد أن أهم مصدر من مصادر التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي هو ارتفاع أسعار الأراضي.
وسيقود جمع الزكاة على الأراضي غير المستغلة أو البيضاء إلى خفض معدل العائد على الاستثمار فيها، كما سيرفع من كلفة الاحتفاظ بها لمدد طويلة تزيد عن العام. وهذا سيخفض كثيرا من جاذبية الاستثمار فيها، وسيقود إلى خفض الطلب الاستثماري عليها. وأعتقد أن الطلب الاستثماري على الأراضي في المملكة يفوق الطلب الاستهلاكي ويزاحمه بشدة، حيث تنتشر الأراضي البيضاء حتى في المدن الكبرى، بل وقد تفوق الأراضي المستغلة. وقد أدت هذه المزاحمة إلى رفع أسعار الأراضي على المستهلكين ورفع تكاليف السكن وقد تكون السبب الرئيس في أزمة السكن ورفع تكاليف إنشاء الأعمال وخفض العائد على العمل والاستثمارات الأخرى. وتتوافر في المملكة مساحات شاسعة من الأراضي ولذلك ليس هناك مبرر ندرة للارتفاعات الكبيرة في أسعار الأراضي. ويتوقع كثيرون أن يقود جمع الزكاة على الأراضي غير المستغلة إلى خفض أسعار الأراضي أو على الأقل تجميد الارتفاعات غير المبررة في أسعارها.
ولن يحظى تطبيق أي قرار بفرض الزكاة بقبول لدى ملاك هذه الأراضي، حيث سيلجأ الكثير منهم إلى وسائل ضغط متعددة أو إيجاد إشكالات نظامية أو شرعية للحد من تأثير قرارات جباية الزكاة على الأراضي البيضاء. ولهذا ستواجه قرارات جمع الزكاة على الأراضي البيضاء عدة تحديات لعل أبرزها تحديد أو تعريف الأراضي البيضاء. فهل سيشمل تعريف الأراضي البيضاء كل الأراضي غير المستغلة داخل المدن وخارجها؟ وهل سيشمل التعريف الأراضي التي يشتريها أصحابها لغرض البناء عليها؟ وهل سيشمل الأراضي المسورة أو التي عليها سياج؟ وهل سيشمل الأراضي الكبيرة المؤجرة أو المستغلة لأغراض هامشية أو التي تعمر فيها بيوت صغيرة للتحايل على هذا القرار. كما ستشمل التحديات كيفية وتوقيت ومسؤولية دفع الزكاة وأساليب التعامل مع الممتنعين.