دعم الإسكان ... هل هو برسم الحاجة أم المواطنة؟

الدعم من أجل تملك المسكن لا شك أنه أحد أهم البرامج الحكومية التي مكنت الكثير من المواطنين من تملك مساكنهم حاليا، وعدم احتياجهم لأن يتكلفوا مزيدا من المصاريف بسبب دفعهم للإيجار سنويا، خصوصا عندما يمر المجتمع بظروف مختلفة تسهم في ارتفاع الإيجار، وأن يسكن الفرد في وحدات سكنية لا تناسب احتياجاته وعدد عائلته بسبب التكلفة السنوية الباهظة للإيجار، ومنذ عقود والمملكة تقدم دعمها للمواطنين من خلال منح أراض ثم يليها دعم مالي من خلال إقراض الفرد مبلغا يغطي تكلفة البناء أو جزءا منها، ويتم سداده بصورة ميسرة خلال 25 عاما، ويتم تحفيز من يلتزم بالسداد بخصم 20 في المائة من قيمة كامل القرض.
هذا الدعم منذ أن بدأ لم يتم تعقيده من خلال اعتبارات متعددة تجعل هناك تفرقة بين أفراد المجتمع، فهي لا تفرق بين غني ولا فقير، ولا تفرق بين شخص يملك منزلا وآخر لا يملك منزلا، ولا بين من يملك أرضا أو من لا يملك أي عقار، بل جعلت من هذا الدعم موسعا ليستفيد منه الأرامل، وبعض من لهم ظروف خاصة لا يتمكنون معها من الحصول على سكن، وكما هو معلوم أن من ضمن من استفاد من هذا الدعم الكثير من الأفراد الذين يملكون مساكن، حيث استفادوا منه في بناء مساكن أفضل تتناسب مع ما يستجد لديهم من احتياجات، أو الاستفادة منه بالطريقة المناسبة لهم.
وبطبيعة الحال فإننا عندما ننظر لكثير من الخدمات والامتيازات الحكومية للمواطنين نجد أنها تقدم دون تفريق بين شخص وآخر باعتبار المواطنة، ووجود بعض الأخطاء في ممارسة بعض الموظفين أو المسؤولين ليست هي عن خطأ في النظام بقدر ما هو سوء للتطبيق أيا كان سبب ذلك، ومن ذلك الدعم الحكومي للوقود والكهرباء ومجموعة من احتياجات الأفراد من السلع الضرورية، إضافة إلى التعليم والعلاج، وغيرها من الخدمات، فعلى سبيل المثال عندما يتقدم أي مواطن للعلاج في أي مستشفى حكومي فإن من الواجب على المستشفي أن يوفر العلاج أو على الأقل ينظر في حاجة هذا المواطن لعلاجه أو إحالته إلى الجهة المخولة بعلاجه، إذ إن العلاج حق باعتبار المواطنة، ولا يفرق النظام بين غني أو فقير، ومن يعمل في مستشفى أو من لا يعمل، ومن أحد والديه طبيب أو ليس كذلك، بل إن العلاج يقدم للمواطن الذي لديه تأمين صحي سواء باشتراك خاص منه أو من خلال الشركة التي يعمل بها. والأمر كذلك في التعليم سواء التعليم العام أو العالي، وهذا يوضح مسألة أن الاستحقاق هنا باعتبار المواطنة وليس بالنظر إلى الاحتياج - أي عدم القدرة على تحمل مصاريف العلاج- إذ إن الدعم الحكومي في حالة الحاجة يتم تبنيه من خلال المؤسسات الخيرية، والتي يوجد مجموعة منها سبق أن قدمت الدعم السكني للمواطنين المحتاجين لذلك أو بسبب ظروف خاصة لمجموعة من المواطنين كما حصل في بعض مدن المملكة.
لا شك أن نتائج استحقاق السكن التي صدرت عن وزارة الإسكان كانت أشبه بالصدمة لدى مجموعة من الموطنين الذين شعروا أن الحلم اقترب أن يتحقق لهم بأن يمتلكوا سكنا بعد هذا الدعم الحكومي الكبير، ولكن فوجئ البعض بأنه استبعد من هذا الدعم لأسباب مختلفة، ومن ضمنها أن البعض سبق له أن امتلك أرضا أو سبق له أن امتلك منزلا، أو أن زوجته تمتلك سكنا فلا يحق له أن يحصل على هذا الدعم الحكومي، الحقيقة أن هذه المعايير ليست جديدة فقد أعلنتها الوزارة سابقا، ولكن قبل أن تأخذ حيز التطبيق لم يكن الكثير يشعر بأنه سيستبعد ولكن بعد استبعاد ما يقارب أو يزيد على 300 ألف متقدم أصيب الكثير بالإحباط بعدما راودتهم أحلام الحصول على سكن مع الدعم الحكومي غير المسبوق، وهنا نحتاج فعلا إلى مراجعة هذه المعايير والنظر مرة أخرى في معيار الاستحقاق الذي يقوم عليه الدعم الحكومي للسكن هل هو الاحتياج أم المواطنة، وهذا لا يعني إغفال مسألة الاحتياج وإعطائها الأولوية ليس فقط في تحديد الأولوية في الاستحقاق للأفراد، بل حتى في التوزيع الجغرافي للمشاريع، خصوصا في هذه الفترة التي يوجد فيها نسبة كبيرة من المواطنين الذين لا يملكون سكنا حاليا، وبعد أن تعالج احتياجات هذه النسبة يمكن العودة إلى الطريقة السابقة التي تعتمد في الأولوية على الاستحقاق بناء على الأسبقية في طلب الدعم السكني. ولكن لا يستبعد إلا من سبق له أن حصل على دعم بغرض السكن كمن حصل على قرض للسكن من صندوق التنمية العقاري.
الخلاصة أن مسألة تحديد معايير الاستحقاق للسكن ينبغي أن تأخذ بالاعتبار أنه استحقاق باعتبار المواطنة لا الحاجة، وذلك على غرار طريقة الدعم الحكومي سواء في التعليم أو العلاج أو دعم أسعار السلع الضرورية، ومن الممكن حاليا الأخذ بالاعتبار الاحتياج باعتبار كثرة المحتاجين حاليا للدعم السكنى، لكن يفترض ألا يتم استبعاد أي متقدم لم يسبق له أن حصل على دعم للسكن.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي