الوقوف المبكر ضد الإرهاب.. التقاعس المقابل
تقدمت المملكة كل بلدان العالم منذ سنوات، في مسألة التعاطي مع الإرهاب. طرحت العديد من المشاريع بهذا الخصوص، وقامت بمبادرات مختلفة، تستند إلى معطيات حقيقية، لا صوتية أو نظرية. وضعت الإرهاب تحت المجهر. بعض الدول تابعته كـ “متفرجة”، وبعضها الآخر تقاعس أو تلكأ. اعتقد البعض أن الإرهاب لن يطوله، وأنه سيظل محصوراً في مناطق انفجاره. هناك حكومات اعتبرت أن مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن، شكل النهاية المطلوبة لهذا الإرهاب، وهي تعرف أن الإرهاب ليس إلا منظومة متشابكة مروعة، تنشر الخراب أينما حلت. والخراب هنا لا ينحصر فقط في التدمير وإيقاع الضحايا من الأبرياء، بل في محاولات تكوين ثقافة تسعى لتحويل الأبرياء والبسطاء وصغار سن إلى مجرمين قتلة. يرتكبون الآثام باسم الدين.
حمل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز مسألة الإرهاب من منظر عالمي شامل. وواصل المبادرات والعمل على تمهيد الطريق للوصول إلى أفضل صيغة ناجعة للتخلص من هذا الوباء المتصاعد. وهو بذلك، أراد أن يحقق مجموعة من الأهداف من آن معاً. في مقدمتها القضاء على الإرهاب بكل أشكاله، ومحاصرته في كل مكان، وتوفير كل المضادات اللازمة بهذا الخصوص. وأيضاً تجريد أولئك الذين يعيثون في الأرض إرهابا وخرابا، من كل صبغة دينية إسلامية. والأهم تقديم الدين الإسلامي بصيغته الحقيقية السمحة. فلم يأت رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين. أي للإنسان في كل مكان. وليس للمسلم فقط. يضاف إلى ذلك، أن الإرهابيين الذين خطفوا راية الإسلام، كانوا (وما زالوا) أشد خطرا على هذا الدين العظيم من أعدائه.
لقد قال خادم الحرمين الشريفين، “إن الإرهابيين يظنون أنه اشتد عودهم وقويت شوكتهم ولكنهم واهمون، والدين براء من أفعال الخونة الإرهابيين”. نعم، إنهم خونة للدين، وكذلك لكل مسلم صادق يفهم الإسلام كما جاء به الرسول الكريم. إنهم قتلة، يقومون بأبشع الأعمال والجرائم، ويدنسون راية الإسلام. إنها فتنة بكل معنى الكلمة، سهل لها المغرضون الحاقدون - كما قال الملك عبد الله في غير مناسبة - “على أمتنا كل أمر، حتى توهمت بأنه اشتد عودها، وقويت شوكتها، فأخذت تعيث في الأرض إرهابا وفسادا، وأوغلت في الباطل كاتمة ومتجاهلة لقول المقتدر الجبار “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب”. قدم خادم الحرمين الشريفين الصورة بأوضح صورها، وحض كل من يملك القوة والقرار، للعمل الفوري من أجل وضع الأمور في نصابها، وإزالة الإرهاب وما علق منه في الأرجاء على مدى السنوات الماضية. كانت دعوة المملكة لإنشاء المركز العالمي لمكافحة الإرهاب فرصة ذهبية للتحرك، لكن جهات عدة تقاعست. فالإرهاب ليس قضية محلية أو إقليمية، بل هو مسألة عالمية، ويتوجب على كل مسؤول القيام بواجبه في هذا المجال، ليس فقط من أجل نتائج آنية أو مرحلية، بل لتنفيذ استراتيجية شاملة تنهي الإرهاب إلى الأبد، وتسحقه. ولهذا السبب وغيره، نجحت المملكة في السنوات الماضية في تكريس الوسطية، وحاربت بكل ما تستطيع كل نشاط أو حراك إرهابي محلي، ولاسيما المجموعات التي شكلت ما يعرف بالخلايا النائمة.
وبالأمس قبضت السلطات الأمنية السعودية على خلية إرهابية تحريضية، مهمتها تجنيد صغار السن للانضمام إلى عصابات “داعش” وغيرها من التنظيمات الإرهابية. فهذه الخلايا السرطانية لا يمكن علاجها. وكما السرطان العدواني لا ينتهي إلا باستئصاله نهائياً. لقد أثبتت تطور الأحداث في المنطقة، وفي غير مكان في العالم، أن التحرك السعودي المبكر ضد الإرهاب، كان يمكن أن يحقق الأهداف كلها، لولا الفوضى التي ضربت صنع القرار السياسي على الصعيد العالمي في السنوات القليلة الماضية. حتى وإن تأخر الوقت، فلا مناص من سحق الإرهاب بكل أشكاله، ولاسيما ذاك الذي خطف الدين الإسلامي الحنيف، وخطف معه براءة شرائح غُيبت عنها الحقيقة.