الجناية السياسية والسلم الاجتماعي

الجناية السياسية والسلم الاجتماعي

يقدم الكتاب الشروط الضرورية للمصالحة الاجتماعية بعد مرحلة التطاحن السياسي، ويعتبر المؤلف الأمريكي جون بورنمان أن المصالحة نوع من الاتفاق للخروج من العنف في حاضر مشترك يقتضي مبادرات شعبية وحكومية لإعادة هيكلة مبادئ الانتماء. تعكس الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب الاهتمام المركزي للكاتب بقضايا المحاسبة والذاكرة والمصالحة، بينما يختص الفصلان الأخيران بموضوع الاحتلال الأمريكي للعراق وما بعده.
يهتم المؤلف بالكيفية التي تتم بها محاسبة الجناية السياسية وينظر إليها انطلاقا من تجارب مارستها في عدد من الدول، مثل كامبوديا وأوروبا الشرقية، وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية كتجربة رائدة في هذا المجال، يربط بورنمان المحاسبة بأربعة أنواع، اثنان منها ذوا طابع قانوني هما الجزاء والتعويض، واثنان ذوا طبيعة ثقافية ونفسية وسياسية تشمل الاعتذار ولجان الحقيقة، هذا الكتاب مجموعة من المقالات تسعى لفهم الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى نوع من المحاسبة دون الآخر وإبراز السياقات الثقافية والسياسية لكل منها، بينما لا تركز المقالات على تقييم مدى نجاح أو فشل أنواع المحاسبة، على الرغم من أن الحالات التي طبقت فيها أشكال المحاسبة الأربعة ( الجزاء أو التعويض أو تقويم الإنجاز أو الحفاظ على الذاكرة ) تبقى حالات محدودة ونتائجها لم تكتمل أبدا.
جون بورنمان أستاذ الأنثروبولوجيا القانونية والسياسية في جامعة برينستون، سبق أن صدرت له مجموعة من الدراسات في موضوع الجناية السياسية أهمها كتاب عن آريل شارون ومصير العدالة الدولية، جون الملتزم بقيم العدالة كما يصفه المصطفى حسوني مترجم الكتاب، يثير أسئلته العميقة بشكل يتجاوب مع مرحلة الانتقال من تجربة الماضي وكيفية استثماره في إرساء مجتمع المستقبل.
يذكر المؤلف أن ما يعوق قدرتنا على تصور الخروج من العنف يكمن في فهمنا غير الواضح للعلاقة بين الخسارة الشخصية و إمكانات تحقيق العدالة، فالإجابة عن الخسارة الشخصية، تنبهنا إلى أهمية مبادئ الرعاية و شبكات الثقة، بينما ينبهنا الجانب الثاني، إمكانات تحقيق العدالة، إلى البحث عن بديل للانتقام والعنف بدراسة الآثار المحتملة للمحاسبة القانونية التي تتضمنها مبادئ أحكام القانون في أنظمة وطنية وغير الوطنية.
يجمع الكتاب بين الشروط الضرورية للمصالحة الاجتماعية بعد مرحلة التطاحن السياسي وبين تخصيص بؤرة الصراع الدولي المعاصر الذي انتقل من أوروبا - بعد انتهاء الحرب الباردة - إلى الشرق الأوسط قلب العالم العربي والاسلامي، ويهتم الكاتب بإبراز المعايير التي تضمن الوصول لمجتمع المستقبل الديمقراطي والإنساني، كما يقدم لطبيعة التجاذب بين القوى العالمية ذات المصالح المتضاربة، ويفصل في النتائج السياسية والآثار الاجتماعية منتقلا من أوروبا حيث كانت تشكل مركز الثقل السياسي وصراعاته إلى العالم العربي.
هل يعتبر المال تعويضا ملائما للخسارة القاسية؟ وإن كان كذلك فهل سيشكل حالة جزاء قانونية مناسبة على بعض الجنايات السياسية؟ هذا ما يثيره المؤلف عن موضوع التعويض المالي حيث يرفضه كثير من الضحايا دون معاقبة الجاني كرد اعتبار معنوي، المسألة الأخلاقية والنفسية في كثير من الحالات اشترطت تعويضات من نوع آخر مثل الاعتذار أو تخليد الذاكرة، ولهذا يرى برونمان أن التعويض المالي يعوض الخسارة التي لحقت بالضحايا وليس الذكرى المرتبطة بالخسارة، فألمانيا التي قدمت تعويضات مالية وصل حجمها 102.6 مليار مارك لم تمح الإحساس بالذنب الجماعي للأمة تجاه الجرائم السياسية النازية، مما شرع بعد ذلك الاعتذارات العمومية عن جرائم الماضي.
في الفصل الثالت يعرض الكتاب أحد أشكال المصالحة بشأن صراعات التصفية العرقية وهي مواجهة الخسارة بالتوالد، هذا ما يفعله بعض الضحايا للتصالح مع خساراتهم الفادحة، حيث تظهر استراتيجيات الإنجاب في بعدها السياسي كمقاومة ضد التصفية وكتقوية للوجود السياسي من خلال التزايد الديموغرافي، كما هو الحال في فلسطين أو أكراد العراق، وهو ما ينتقده بورنمان حيث يرى أن مواجهة الخسارة عن طريق الإنجاب لا تؤدي إلا إلى ترسيخ العرقية، باعتبارها ترتكز على الأصول والجذور، وحماية العرق المهدد عن طريق التقوقع داخل أفراده مما يجعل استراتيجية الإنجاب هذه تؤدي إلى تمديد ظروف تكرار العنف عوضا عن تجاوزه، تماما كما يفعل الانتقام كشكل ثان من التعويض فهو فعل يسعى لتحقيق المستحيل ويؤدي أيضا إلى تكرار العنف حيث تتبادل الأدوار بين الضحية والجاني، وبورنمان الذي يرى وسيلتي الإنجاب والانتقام وسائل تضاعف العنف وتديمه، هو بالمقابل يرى أن الشهادة والعدالة الجزائية هما البديلان الممكنان للمصالحة، وبالتالي تحقيق السلم الاجتماعي.
المحاكم الجنائية الدولية إضافة إلى تدخل طرف خارجي مثل الأمم المتحدة لإنهاء النزاعات هما نموذجا البعد الدولي في موضوع الجنائية السياسية وتحقيق السلم، ويقر المؤلف بفشل هذه المجهودات، لأسباب مفصلة في الكتاب، كما يحلل الكاتب في الفصل الخامس الفروق بين سياسة أوروبا وأمريكا تجاه الشرق الأوسط، ويرى فيها توجهين متمايزين لثقافتين وقوميتين مختلفتين، فأوروبا تتجلى برؤية قارية تحقق مبادئ الديمقراطيات الكونية وتزداد دائرة تطبيقها اتساعا على أمريكا التي تتقوقع في إقليمية مغلقة. تأتي أهمية الكتاب من حاجة القارئ العربي إلى أطروحات تعمق من الجدل السياسي بأبعاد قانونية وثقافية، وهذا الكتاب القائم على المقاربة الأنثروبولوجية لموضوع الجناية السياسية، لا يصدر الأحكام الأخلاقية على أحداث السياسة بل يكشف عن السياقات الثقافية لها، قضية المصالحة من أهم قضايا الجدل السياسي فهي ترتبط بالسلم الاجتماعي وسبل تحقيقه والتي يطغى عليها الحماس الأيديولوجي والحسابات الضيقة والمرحلية. والعالم العربي الذي يواجه اليوم أسئلة ما بعد سقوط الأنظمة السياسية يجب أن يتناول موضوع المصالحة ويفكر في التعويض كمبدأ لبناء ذاكرة جديدة تصنع جيلا جديدا خالصا من أعباء الانتقام والثأر.

الأكثر قراءة