لماذا إقليم كردستان وليست بلاد الشام؟
بعد ثلاث سنوات من الجمود إزاء الحرب السورية التي تحولت إلى حرب طائفية طغت عليها الجماعات المتطرفة، وبعد ثلاثة أشهر من التدفق العسكري لدولة الإسلام في العراق، تدخلت الولايات المتحدة في هذا الصراع الجديد مع اقتراب مقاتلي داعش من المناطق الكردية. ما سبب هذا التدخل المناقض معنى ورمزاً لسياسة الرئيس أوباما المتبعة حتى الآن تجاه دول بلاد الشام؟
منذ شهر أغسطس شنت القوات الأمريكية 84 غارة جوية ضد مجموعة من أهداف الدولة الإسلامية، مستعينة بطائرات F-15E وكذلك القاذفات B-1 وطائرات بدون طيار مسلحة. برر أوباما استخدام القوة بحجة حماية الأقلية اليزيدية في جبل سنجار المحاصرة من مجاهدي داعش ووقف تقدم الدولة الإسلامية في أربيل، عاصمة إقليم كردستان، حيث يتمركز الجنود الأمريكيون.
استند أوباما إلى قانون استخدام القوة العسكرية ( War Power Act) في رسالة وجهها إلى الكونجرس شرح فيها أسباب توسيع نطاق الضربات لدعم العمليات العسكرية الهجومية لمساندة القوات الكردية والجيش العراقي.
"بتاريخ 14 آب عام 2014، أمرتُ القوات المسلحة الأمريكية شن ضربات جوية مستهدفة لدعم العمليات التي تقوم بها القوات العراقية لاستعادة سد الموصل"، وذكر أوباما في الرسالة أن "هذه العمليات العسكرية ستكون محدودة في نطاقها والمدة اللازمة لدعم القوات العراقية في جهودها الرامية إلى استعادة وبسط سيطرتها على هذا الموقع والبنية التحتية الحساسة، كجزء من حملتها المستمرة ضد الجماعة الإرهابية في دولة العراق الإسلامية والمشرق العربي"، وهو ما يسمى الآن الدولة الإسلامية.
وحسب الباحث كريم بيطار مدير مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ( Institut de relations internationales et strategiques)، فإن لسد الموصل أهمية بالغة (أكثر من 12 مليون متر مكعب) ويكون سقوطه كارثيا بالنسبة للملايين من العراقيين الذين يعيشون تحت السد. وفي السياق نفسه، صرح أوباما أيضا بأن سقوط سد الموصل قد يهدد حياة أعداد كبيرة من المدنيين، كما يشكل تهديدا للموظفين والمقرات الأمريكية، بما في ذلك السفارة الأمريكية في بغداد، ويمنع الحكومة العراقية من توفير الخدمات الأساسية إلى الشعب العراقي.
وبحسب بيطار "ليس باستطاعتنا استبعاد عامل الصدق في التصريحات الرسمية التي عبرت عن القلق الأمريكي إزاء الوضع الإنساني في جبل سنجار وحول مصير اليزيديين والمسيحيين من مخاطر الإبادة الجماعية. فاثنان من أقرب مستشاري أوباما، سوزان رايس وسامانثا باور شخصيات تؤيد مبدأ "مسؤولية الحماية"، غير أنهما لم ينجحا في إقناع أوباما بالتدخل في سورية، لأن وراء هذه المبادئ وهذا الخطاب الإنساني، نجد بالطبع، أولا وقبل كل شيء، المصالح الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة".
إن اتخاذ السياسة الأمريكية محورا مختلفاً ميَّزه التدخل المباشر للقوات الأمريكية الجوية، أظهر تناقضات عدة في السياسة الأمريكية حيال الأزمة في سورية والعراق.
المثير للاهتمام أولاً هو الدعم للأكراد الذين حققوا مكاسب مهمة مع المساندة التي تلقوها من حزب العمال الكردستاني (PKK)، إذ ساعد مقاتلوه قوات البشمركة الكردية في مواجهة الدولة الإسلامية على محاور أربيل، العاصمة الكردية.
والدعم الأمريكي للأكراد على الرغم من انخراط حزب العمال الكردستاني في القتال، يشير إلى فرض العامل البرجماتي على السياسة الأمريكية التي تجاهلت وضع الجماعة الكردية على لائحة الإرهاب في واشنطن لحماية مصالحها في كردستان. الأهم من ذلك، أن تسليح الأكراد المباشر، دون المرور ببغداد يعزز أيضاً النزعة الانفصالية الكردية التي قد يكون لها تأثير إقليمي بسبب تسهيل تجزئة العراق كما يهدد استقرار بلدان أخرى ذات تواجد كردي كتركيا وإيران؛ واقعان فضل أوباما تفاديهما.
يشير عبد الرحمن ددم، رئيس المجلس الحر لمحافظة حلب في سورية إلى هذا التناقض في رسالة نشرها مركز أبحاث أتلنتك كاونسيل (Atlantic Council) في واشنطن، "بينما يزين الرئيس أوباما المساعدة لقوى المقاومة الديمقراطية السورية، تنهار إحدى ركائز أمل سورية وتقترب من خطر السقوط، فبلدي، مدينة حلب، التي تبعد خمسة وثلاثين ميلا من تركيا، هي أكبر مدينة في سورية ترزح الآن تحت تهديد كل من الدولة الإسلامية ونظام الأسد. تاريخ المدينة يعود إلى 7000 سنة وهي بمثابة المركز الرمزي لسورية والشرق الأوسط بأكمله. حصار الأسد وغزو الدولة الإسلامية يمكن أن يمحو سنوات من العمل للحفاظ على كرامة حلب. إذا واصلت الولايات المتحدة نهج عدم التدخل الحالي، ستسقط حلب، ومعها حلمنا للتغيير السياسي الديمقراطي والاستقرار في سورية".
ومن دون الدعم الجوي والأسلحة من الولايات المتحدة، من المحتمل سقوط حلب، ما سيسِّرع عجلة الدوامة الكارثية في سورية،- حيث قتل بحسب الأمم المتحدة أكثر من 191 ألف شخص منذ اندلاع النزاع في 2011، لصالح قوات الأسد ويوسع نطاق سيطرة داعش.
إنما وللأسف تختلف وجهة النظر الأمريكية، لأن حلب ليست أربيل ولا العراق، حيث تكثر المصالح الاستراتيجية. فالمنطقة الكردية تتميز بمصدري قوة: إنها أولا المقام الرئيسي لحماية حكومة إقليم كردستان، وثانيا وجود النفط في المنطقة التابعة لأربيل. "بدأت الولايات المتحدة تسليح وتمويل البشمركة قبل غزو العراق عام 2003، وقد كشفت الصحافة الأمريكية أخيرا ما لم يكن يخفى على أحد وهو وجود قاعدة أمريكية بالقرب من مطار أربيل، على الطريق السريع إلى الموصل. لذلك كان من الضروري حماية هذه القاعدة ومواطنيها (الذين يبلغ عددهم عدة آلاف)، فضلا عن القنصلية وموظفيها، وبالتالي تجنب حصول بنغازي أخرى"، بحسب بيطار. فضلا عن ذلك، تلعب منطقة كردستان دورا مهما على مستوى إنتاج النفط، وبالتالي قد تشكل بديلا أساسيا لعدد من البلدان، كالدول الأوروبية مثلا التي تعتمد الآن على موارد الطاقة الروسية ما يضعها تحت رحمة مزاجية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما أن عددا من شركات النفط الكبرى مثل شيفرون وإكسون موبيل، لديها عقود ضخمة والكثير من الموظفين في المنطقة، بحسب بيطار. بالنسبة للأمريكيين، تشكل كردستان واحدة من عدد قليل من الحلفاء الموثوق بهم في المنطقة - على الرغم من سيطرة القبائل - ما يفسر صعوبة التخلي عنها. كما تشهد المنطقة ازدهارا اقتصاديا، يجذب المستثمرين الأجانب، وهي مساحة تؤمن احتراما أكبر للتعددية من بقية العراق.
بعكس الوضع في كردستان، تعتبر المدرسة الاستراتيجية الأمريكية "الواقعية"، أن الأزمة السورية لا تشكل خطرا على المصالح الحيوية للولايات المتحدة على الرغم من الكارثة الإنسانية الناتجة عنها واستعمال النظام للسلاح الكيميائي، كما أن حرب الاستنزاف بين إيران والسنة تعزز المصالح الإسرائيلية والأمريكية. "غير أن هذه القراءة قصيرة النظر جدا، وخصوصا عندما نفكر في مخاطر الورم الخبيث الذي يشكله داعش وآلاف الجهاديين الذين يحملون جوازات سفر غربية" يقول بيطار.
كان يمكن للولايات المتحدة تسليح المتمردين السوريين بين أبريل ونوفمبر 2011 وفي الفترة اللاحقة أيضا، غير أن هذا الأمر كان سيشكل خطورة كبيرة لسببين: أولا، القوة الصاعدة للجماعات المتطرفة أثارت مخاوف سيطرتها على الأسلحة الأمريكية (مخاوف تأكدت أخيرا بعد سيطرة داعش على الموصل والاستيلاء على أسلحة وعربات همفي). ثانيا والأهم من ذلك تحويل الثورة السورية في الصراع الدولي. "رأى أوباما أن اللعبة ليست لمحصلته وأن أي دعم للتمرد السوري سوف تعقبه زيادة في الدعم الروسي الإيراني للنظام. كانت الولايات المتحدة غير مستعدة للدخول في مواجهة حقيقية مع موسكو وطهران" حسب بيطار.
أكد طغيان داعش على مناطق شاسعة من العراق أن مصير العراق وسورية مترابط، والقضاء على المنظمة الإرهابية لا يحصل على حدود كردستان فقط بل في الرقة ودير الزور وحلب أيضاً.
يقول ددم إن الخطوة الأولى لشراكة استراتيجية بين المقاومة السورية والولايات المتحدة هي المساعدة على حفظ حلب وإنشاء منطقة حظر جوي تغطي حلب وكذلك إدلب المجاورة.
"هذه الخطة تتطلب في نهاية المطاف تسليح 50 ألف مقاتل من كتائب الجيش السوري الحر. دعم سيكون له تأثير استراتيجي في أرض المعركة في هزيمة القاعدة وداعش، وإجبار الأسد على قبول التسوية السياسية" بحسب ددم.