الرياض والقاهرة .. استشعار مشترك لخطورة الأوضاع
في تقارب زمني لافت يوحي باستشعار مشترك لخطورة الأوضاع المحيطة عربيا وعالميا. دعا الملك عبدالله علماء ومشايخ السعودية لطرد الكسل والصمت. فيما حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي علماء الأزهر، في مناسبة أخرى قريبة، بأنهم "سيُسألون" أمام الله عن هذا التشويه المتعمد لصورة الإسلام. ما استدعى، عقد لقاءات وتفعيل تحركات سياسية ومادية، من قبل الزعيمين، في الأيام الفائتة، بغرض مكافحة الإرهاب المنظم في بعض صوره كإرهاب الدول، وبعض الأنظمة ضد شعوبها، والمنفلت في صور أخرى كإرهاب "داعش" وغيرها من الجماعات المحظورة والميليشيات المسلحة.
###أعلام «داعش» بيننا
تناقلت بعض الصحف السعودية والعالمية، قبل أيام قليلة، أخبارا عن إيقاف سيارات خليجية وسعودية تحمل أعلام داعش، من قبل الجهات المختصة. وبعد استجواب سريع، ظهر أن هناك من أنكر علمه برمزية هذا العلم وهناك من قال إن الأمر حصل بشكل عفوي. كما تناقلت الوكالات العالمية توزيع "داعش" منشورات تدعو للهجرة إلى دولة الخلافة في وسط لندن. وكانت المنشورات التي وزعت باللغة الإنجليزية على المتسوقين في شارع "أكسفورد"، تصف إعلان قيام "الخلافة الإسلامية" بأنه "فجر عصر جديد"، داعية البريطانيين إلى "الهجرة إلى هناك". وسبق ذاك كله مقاطع فيديو، وحسابات "تويترية" يُظهر فيها البعض، من داخل السعودية، أو خارجها التضامن مع "الخلافة" السوداء وأوهامها بوعي مباشر وبلا وعي.
هذا فضلا عن شباب عربي وغربي ينفرون إلى ساحات القتال، من وقت لآخر. كان آخرهم الأب السعودي الذي انتزع طفليه من أمهما. وظهر في مقطع "دعائي"، مصور من قبل إعلام داعش. يظهر الأب بعد وصوله، مبشرا أمهمها بنفرة طفليها لـ "الجهاد" في سبيل الله، و"أن تحتسبهم طيورا في الجنة". بينما يظهر الطفلان يحملان الأسلحة وبجانبهما قنبلة يدوية.
وبحسب إعلاميين ومتابعين، هناك الكثير من "الدواعش" يعيشون بيننا شعرنا بهم أم لم نشعر. بعضهم مستعد للذهاب متى ما سنحت له الفرصة، وكثير منهم مختطفون فكريا إذ يحملون مشاعر تعاطف لا تقل في خطورتها عن مشاعر الإنسان الجاهز للذهاب لساحات القتال. وكل هذا يقود القادة والمسؤولين للبحث عن منابع هذا الفكر وتحولاته والعمل على مجابهتها اجتماعيا ومكافحتها، أمنيا وفكريا من قبل الجميع، كل بحسب اختصاصه.
###جبهة سعودية ــ مصرية
واستشعارا من الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بهذا الخطر العربي والعالمي، أمنيا وفكريا، فقد أكد في لقاء سابق، جمعه بالعلماء والمشايخ، الذين قدموا للسلام عليه وتهنئته بعيد الفطر المبارك، أن كلمته الأخيرة التي وجهها للأمة، فيما يتعلق بالإرهاب ومن "يذكون الناس كالغنم"، على حد تعبيره، تعبّر عن الشعب السعودي، والشعوب العربية والإسلامية "الصحيحة". وخاطب الملك العلماء والمشايخ بشكل خاص وطلب منهم أن يطردوا الكسل عنهم، قائلا: "ترى فيكم كسل وفيكم صمت".
وفي ذات السياق، شارك الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الملك عبدالله هذا الهم الإنساني والإسلامي، إذ خاطب، هو أيضا، في وقت سابق، علماء الأزهر، في احتفالات الأوقاف المصرية بتخريج دفعة جديدة من حفظة كتاب الله الكريم، مُحذرا إياهم ونفسه، بقوله: "ستُسألون أمام الله، بشأن ما حصل ويحصل من قتل وتكفير وتشويه لصورة الإسلام من قبل هذه الجماعات".
كما تلا هذان الخطابان، المتقاربان زمنا وروحا، عدة لقاءات وإجراءات متتابعة في السياق ذاته، حيث استقبل الملك الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في جدة، وطُرحت في اللقاء مبادرة خادم الحرمين الشريفين لإنشاء مركز لمكافحة الإرهاب، التي قال عنها وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل: "البلدان متفقان في الأمر وينسقان حتى يقوم هذا المركز ويكون فعالا".
من جهته، قال المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية السفير إيهاب بدوي في تصريح صحافي، إن اللقاء استعرض تطورات الأوضاع في العراق في ضوء اتساع دائرة الإرهاب في المنطقة، إضافة إلى الأوضاع في سورية وليبيا وانعكاساتها على كل من مصر والسعودية والأمن القومي العربي. وبحث الجانبان سبل النهوض بالأمتين العربية والإسلامية وتحقيق حلم التكامل والتضامن وتعزيز العمل العربي المشترك، ونشر قيم الإسلام الصحيحة الوسطية التي تنبذ العنف والتطرف والإرهاب.
###مركز دولي لمكافحة الإرهاب
كما سبق هذه اللقاءات وتبعها توجيهان من قبل الملك عبدالله، يصبان في ذات الاهتمام والتحرك العملي لاحتواء الموقف؛ أحدهما للتبرع بمبلغ مليار دولار لدعم الجيش والأمن القومي اللبناني، لمحاربة الإرهاب. وآخر بمبلغ 100 مليون دولار للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب. حيث أوضح السفير الجبير أن فكرة المركز طرحت للعالم من خادم الحرمين الشريفين قبل عشر سنوات، وتم تبنيها بالإجماع من المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي عقد في الرياض عام 2005، كما تبنته بالإجماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006، وساهمت المملكة العربية السعودية بعشرة ملايين دولار لإطلاق المركز، ووقعت اتفاقاً في هذا الشأن مع الأمم المتحدة عام 2011، واليوم خادم الحرمين الشريفين أمر بتقديم 100 مليون دولار للمركز لدعم جهوده والعمل الذي يقوم به، بغية مكافحة هذا الشر الذي أضر بالعالم".
وفي معرض المؤتمر الصحافي الذي عقد بهذه المناسبة، قال عبدالله المعلمي مندوب المملكة الدائم لدى الأمم المتحدة: "في المملكة العربية السعودية تعليمات مشددة بحصر الفتوى ضمن نطاق هيئة كبار العلماء. وهيئة كبار العلماء أصدرت قرارات عديدة ترفض التكفير على أي أساس على الإطلاق، وهذه القضية بالنسبة للمملكة العربية السعودية محسومة، أما بالنسبة للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب فمن ضمن نشاطاته، النشاط الإعلامي والتثقيفي الذي يهدف إلى محاربة المنطق الداعي إلى التطرف والإرهاب، وهذا يشمل منطق التكفير وعدم قبول الرأي الآخر".
وأضاف المعلمي:"هذه المبادرة، والمبادرة الأخرى التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين من خلال إنشاء مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، بمشاركة مع النمسا وإسبانيا، يهدف إلى تعميق الحوار وتكثيف أواصر الترابط بين جميع المجتمعات في العالم. فما تقوم به المملكة العربية السعودية هو منظومة متكاملة، من ناحية نحارب الإرهاب ومن ناحية أخرى نشجع الحوار، والعملان يصبان في مصلحة بعضهما البعض".
###ضربة موجعة للإرهاب
وجود مركز دولي للإرهاب بتفعيل وتفاهم سعودي ــ مصري سيحدث فرقا كبيرا، بحسب تصريحات صحافية لسياسيين. إذ يقول عفت السادات رئيس حزب السادات الديمقراطي: "إن التفاهم المصري ــ السعودي يعتبر الضربة الأولى الموجعة للإرهاب، وأن توسيع التعامل مع البلدين يفيد المنطقة العربية خلال المرحلة القادمة". بينما يشدد عبدالغفار شكر ــ رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي على أنه "بعد تطور الأوضاع وتأثير داعش على المنطقة العربية يجب التعاون المشترك بين السعودية ومصر لوقف التهديدات التي تقع من تلك الجماعات التنظيمية".
ويبقى أن الإرهاب بجميع صوره وأشكاله، بحسب كثير من المراقبين، مصدر استنزاف حقيقي، لمقدرات الشعوب ووجودها. فهو ذاته ما تُزهَق بسببه أرواح أطفال وشباب وشيوخ. فيما تراهن عليه، من جهة أخرى، بعض الدول والجماعات، الباحثة عن أدوار هيمنة، فقط لمزيد من الابتزاز السياسي أو الوجود العسكري، بغض النظر عن أحوال الشعوب وأمنها وأمانها.