حزب الله .. ورمال «الحرب السورية» المتحركة

حزب الله .. ورمال «الحرب السورية» المتحركة

يعتبر اندلاع القتال في قرية عرسال اللبنانية في الأسبوع الماضي بين الجيش اللبناني وبعض "الثوار السوريين"، إضافة إلى دولة الإسلام في بلاد العراق والشام "داعش" تحولاً خطيراً بالنسبة للأحداث في لبنان، الذي يجر يوماً بعد يوم إلى الحرب السورية. كما يظهر هذا القتال الجديد عدم قدرة حزب الله على الحد من عواقب تورطه في الصراع المجاور للبنان، الأمر الذي فاقم من توتر العلاقات بين السنة والشيعة، وهي المتوترة أصلاً، كما يستطيع أن يؤدي إلى نشوب صراع داخلي مدمر.
على مدى الأيام الثلاثة الماضية أصبحت بلدة عرسال الواقعة في الشمال الشرقي من لبنان آخر من يعاني العنف المتزايد للحرب التي خربت سورية، حيث يقاتل نظام بشار الأسد المنتمي للطائفة العلوية الثوار الذين هم في الأغلبية من الطائفة السنية.
شجب المجتمع السني في لبنان مشاركة حزب الله في عام 2013 في القتال في سورية، حيث عبر المئات من أعضاء هذا المجتمع الحدود للقتال إلى جانب الثوار. وإضافة لذلك أدت الحرب السورية إلى تدفق أعداد هائلة من اللاجئين إلى داخل البلاد. وعرسال وحدها، وهي البلدة التي يبلغ عدد سكانها 40 ألف نسمة، استقبلت عشرات الآلاف من اللاجئين الذين وصل عددهم اليوم إلى 120 ألف شخص.
موقع عرسال بحد ذاته مهم. فهي قريبة من الحدود اللبنانية السورية وفيها تجمع سني في وادي البقاع الشمالي ذي الغالبية الشيعية. ويشير المحلل السياسي مايكل يونغ إلى أن عرس التشكل خطوط إمداد للمعارضة السورية، "وقد أزعج هذا الموقف حزب الله والنظام السوري الذي كان يحاول سحق المقاومة العنيدة على الجانب السوري من الحدود في مقاطعة القلمون".
اشتعل القتال في الأسبوع الماضي بين الجيش اللبناني ومجموعات جهادية مثل جبهة النصرة ودولة الإسلام "داعش".
بدأ القتال بعد أن ألقى الجيش اللبناني القبض على عماد جمعة قائد مجموعة فجر الإسلام، المنضوية حديثاً تحت لواء داعش. حسب تقارير إخبارية مبكرة، فإنه بعد إلقاء القبض عليه، استولى أنصار جمعة على مواقع للجيش اللبناني في عرسال، وهو ما أجبر الجيش اللبناني على شن هجوم مضاد لاسترداد هذه المواقع. كان هناك حوالي 1000 من المسلحين المقربين من داعش وجبهة النصرة، إضافة إلى حوالي 100 من المقيمين في عرسال يقاتلون ضد الجيش اللبناني. يقول أحمد فليتي، نائب رئيس بلدية عرسال: "كانت المليشيات منظمة وتشكل قوات متنقلة خفيفة تتحرك في القرية التي كانوا يستهدفون منها مواقع الجيش اللبناني".
وفي وقت متأخر من يوم الخميس الماضي، بدأ الجهاديون بالتراجع من عرسال. أعلن الجيش عن مقتل 14 جندياً وجرج 86 آخرين. كما يعتقد أنه لا يزال أكثر من 39 فرداً من قوات الأمن محتجزين من قبل المسلحين السوريين.
يتعلق تزايد تدهور الوضع في عرسال بالهجوم الذي شنه حزب الله داخل القلمون في العام الماضي. وكانت نتيجة ذلك تسرب المقاتلين إلى جرد عرسال اللبنانية، بعد هروبهم من الجيش السوري وحزب الله. ومع ذلك نجحت داعش في استعادة أراض مرة ثانية في القلمون والجرد اللبناني مع ظهور ديناميكية جديدة. وظهر ائتلاف إسلامي جديد في هذه المنطقة على خلفية صعود "داعش" ضم من بين آخرين كلاً من "لواء الغرباء" و"جيش الإسلام" وأحرار الشام. وزيادة على ذلك، وحسب مصادر مطلعة، تولى أمير جديد زمام دولة الإسلام في المنطقة، وهو أبو الحسن الفلسطيني، بدلاً من أبي عبد الله العراقي الذي احتفظ بعلاقات جيدة مع قائد قطاع جبهة النصرة أبي مالك التلي. وقد تمكن الأمير الجديد، الذي قتل في الأسبوع الماضي في القلمون حسب وسائل الإعلام، من تجميع عدة كتائب منها فجر الإسلام التي تضم 500 مقاتل وكتيبة بلال الحبشي التي يرأسها حمادي رعد.
كما كانت داعش قادرة بالتدريج على السيطرة على فصائل أخرى في المنطقة اللبنانية. إذ حسب مصادر محلية تمكنت داعش من تعزيز مواقعها بعد أن تلقت تجهيزات عسكرية وتمويلاً كبيراً سمح لها بجذب كتائب جديدة وتجنيد مرتزقة من بين القرويين في عرسال. ويعتقد ضابط في الجيش اللبناني "اشترط عدم ذكر اسمه" أنه يوجد نحو 6 آلاف ثائر سوري في عرسال ينتمون إلى مجموعات إسلامية مختلفة مثل جبهة النصرة وداعش. وقال مصدر محلي وهو يشير إلى الخلاف بين داعش وجبهة النصرة أثناء المعركة مع الجيش اللبناني، ومع ذلك لم يقاتل بعض الثوار الجيش لأنهم يعتقدون أن الصراع يمكن أن يعرض خطوط تموين قواتهم للخطر في القلمون".
وحسب مايكل يونغ، كان النظام السوري وحزب الله يسعون، ولبعض الوقت، إلى توريط الجيش اللبناني في جهودهم لإضعاف الثوار السوريين. ومع ذلك أشار قائد الجيش اللبناني جان قهوجي إلى مؤامرة خطط لها الثوار بعناية، وأضاف أن المسلحين السوريين خططوا لهجماتهم في عرسال ضد الجيش قبل فترة طويلة من إلقاء القبض على جمعة. كما نفى حزب الله أيضاً اتهامات وُجهت إليه بالقتال في عرسال، بينما ظهرت تقارير مناقضة لذلك على الأرض.
وسواء قاتل حزب الله إلى جانب الجيش أم لا، إلا أنه يبدو أن مصير عداوته مع المجموعات السنية المتطرفة يزداد ترابطاً مع القوات المسلحة اللبنانية. ففي عام 2000 قاتلت القوات المسلحة ضد مجموعة أصولية ملقبة باسم التكفير والهجرة في الضنية في شمال لبنان. ومرة أخرى حارب الجيش اللبناني لمدة ثلاثة أشهر ضد مجموعة أصولية أخرى تدعى فتح الإسلام في مخيم نهر البارد الفلسطيني قتل فيه أكثر من 150 جندياً.
شملت هذه الحركة المتطرفة التي تكون أغلبها من المقاتلين السوريين والفلسطينيين مسلحين لبنانيين سنة ذهب الكثير منهم، في مرحلة لاحقة إلى سورية، للقتال ضد نظام بشار الأسد وحزب الله. وقد أكدت أحداث عبرا التي جرت في حزيران (يونيو) من العام الماضي التي وضعت الجيش اللبناني في مواجهة أتباع رجل الدين السني العنيف أحمد الأسير، المعارض القوي لحزب الله، تلاقي المصالح بين الجيش اللبناني وحزب الله الذي قاتل إلى جانبه في ذلك الحين.
وعلى الرغم من اعتبار إجراءات الجيش لسحق الإرهاب في لبنان مبررة، إلا أن ما يشعل نيران التوترات هو حقيقة أن قوات الأمن اللبنانية قادرة فقط على ما يبدو على اتخاذ إجراءات ضد الجرائم التي يثيرها السنة وما زال غير قادر على جلب للعدالة خمسة من أعضاء حزب الله متهمين باغتيال رئيس الوزراء السني رفيق الحريري. ولم تؤد الحرب السورية سوى زيادة تفاقم هذا الاتجاه الدموي. وسوف تقرب هذه الجولة الأخيرة من القتال بلا شك من شبح الحرب الأهلية في لبنان.
يؤكد مايكل يونغ أن "الخطر هو أن السنة المسلحين اللبنانيين الأكثر تطرفاً، والذين يتهمون الجيش منذ فترة طويلة بالتعاون مع حزب الله، سيخرجون إلى الشوارع، خصوصاً في مناطق الشمال التي تسكنها أغلبية سنية، احتجاجاً على العمليات التي يقوم بها الجيش في بلدة عرسال ذات الغالبية السنية، والدخول في موادعة مع الجيش".
يعتقد يونغ أيضاً أن هذا يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تدهور الوضع على نحو يثير القتال مع الشيعة. وهذا خطر ستكون له أبعاد كارثية، بالنظر إلى وجود أكثر من مليون سوري في لبنان - وكثير منهم من اللاجئين السنة الذين يشعرون بالغضب من دور حزب الله في سورية.

الأكثر قراءة