فقد الشيخ الجميل
عرفته طيب المعشر سليم القلب عاشقا للخير، محبا للأطفال رحوما، سريع البكاء، إذا رأى المحتاج والمريض. خبرته سنين طوالا فلم أرَ منه سوى خصلة التسامح الذي طغى على سلوكه وظهر علامة فارقة في حياته، التي مهما امتدت فلن تكون كافية لإشباع عيون محبيه وقلوبهم.
لف الصمت المكان ونحن ندخل لوداعه. طلب أن يرى كل أحبابه، وهم كثر، فجاءوا ليطمئنوه أن حبه في القلوب عامر، أن من أحبه الناس فلا بد أن يكون على خير. بكوا وحشرجت أصواتهم، وكل منهم يستذكر موقفا جميلا، اجتمعت كلها لتصنع شخصية الرجل العظيم.
قال أحدهم إنه كان لا يلتفت لمن يخطئ عليه، وقال آخر إنه أكرم من عرف، وقال ثالث إن ابتسامته التي رآها للتو لم تكن تفارق الرجل الشيخ الجميل، الذي جمع في تركيبته مزايا لم نعد نرى مثلها في يومنا. جلس مع أبنائه وبناته في وداع لا يريده أي منهم، لكنه فرض على كل إنسان.
عاش محبوبا، وانتقل إلى جوار ربه محبوبا، وأسأل المولى - جل وعلا - أن يجعل حبه يلجلج في السماء، وروحه الطاهرة تنتقل لتقابل بارئها - جل وعلا -. نعم نحن شهداء الله في الأرض، وأحسب كل من شهد أو سمع أو رأى الرجل سيشهد له بالخير والنقاء والصفاء والكرم.
عاش معاناته الأخيرة مع المرض وكأنه يريد أن يحمل الهم، ولا يشاركه في حمله أحد. يأتي من يعوده ليقول إنه إلى خير. رغم أن الجميع كانوا يعلمون أن مرضه عضال، وأنه يبتلع خلاياه بسرعة لا ينفع معها علاج. يضحك ويمازح من حوله ويسترجع ذكرياته معهم.
أمر يدركه من استوعبوا الحب والرحمة والحنان، ومن أوائل من عرفت منهم محمد بن مريع بن خلبان. ذلك الرجل الذي بفقده انطفأ ضوء كان مشعلا للخير والعطاء والتسامح، وتحل مصيبة أرجو الله أن يجيرنا فيها، وأن يلهمنا وكل من عرفه صبرا جميلا.
أسأل الله - جلت قدرته - أن يغفر له ويرحمه ويكرم نزله ويوسع مدخله ويغسله بالماء والثلج والبرد، وينقيه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأن يجعل مثواه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.