معالي السفير

يروق لصديقي أن يرقي من معه رتبتين على الأقل. إن كنت عقيدا قال سعادة اللواء، وإن كنت رئيس قسم عرّف الناس بك على أنك سعادة المدير العام. بلغ به الأمر أنه كان يضع الناس في مناصب ليست لهم أصلا، فيقول فلان كان سفيرا في الأرجنتين، وقد يكون الشخص موظفا في السفارة.
يشاهد مثل هذا في كثير من دول العالم العربي، بل إن بعض مواطني الدول العربية لا يمكن أن يدعوك باسمك المجرد، وإنما يعطيك لقبا مستحقا أو غير مستحق، فأنت الباشا أو الأفوكادو أو الباش مهندس أو فضيلة الشيخ أو سيادتك على الأقل. بناء على عقدة النقص، أو نفخ قد يكون له هدف، وقد يكون سببه تأثير ثقافة المجتمع.
كان مجتمعنا يسخر من تلك الأقوال والتقديمات التي لا أصول لها. لكن المثل الشعبي يقول "لا تشمت يالشمات"، إذ تحول مجتمعنا إلى غابة من الألقاب المطلقة بحق أو بدون حق. أصدقكم أن كثيرين منا يغضبون عندما ينادون بأسمائهم التي منحهم إياها أهاليهم. أغلبنا يفضلون؛ بل يطالبون أحيانا بتسميتهم بأسماء أبنائهم؛ أي أبا فلان وأم فلان، والمتحضر منا لا يمانع أن يدعى أبا فلانة، إن كان أكبر أبنائه أنثى.
طرأت عليَّ هذه "الخوارزمية" عندما قرأت تقديم إحدى القنوات للسفير الأمريكي بكلمة معالي السفير. كأنهم يريدون أن يسحبوا تفكير العالم الأول صاحب التعاطي البسيط مع الأشخاص نحو الإلزام بألقاب لم يتعودها. الرئيس يفضل أن يدعوه موظفوه باسمه "حاف"، وبعضهم باسمه المصغر مثل بيل كلنتون. رئيس الدولة عندهم هو السيد الرئيس، دون إضافات التفخيم والتعظيم.
يحصل المرء في العالم الأول على الشهادات والجوائز والترقيات بناء على مجهوده، ولا يهمه أن يعترف العالم بأنه حاصل على الهندسة أو الطب أو الدكتوراه أو أنه يشغل المنصب الفلاني أو العلاني، فهو يقدم نفسه لك باسمه المجرد.
لا يستطيع أحد منا أن يعرف شهادات رؤساء الدول الغربية أو تخصصاتهم ولا شهادات وتخصصات وزرائهم أو مستشاريهم إلا بعد قراءة سيرهم الذاتية. فلمَ لا نفعل نحن ذلك، وقد أمر ديننا بلين الجانب والتواضع؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي