إجازة الدعاة (1)

تحفل أيام شهر رمضان المبارك بالمحاضرات واللقاءات والندوات والخطب التي تضيء كل مساجدنا. يحظى المسجد المجاور لمنزلي بخطيب أو داعية بعد صلوات الظهر والعصر والمغرب والتراويح في أغلبية الأيام. هذا الكم الكبير من الدعاة والخطباء يبعث الانشراح في الصدر، ويؤكد خيرية الأمة التي نبأ بها سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم.
تبدأ الإشكالية عندما "يستلم" المُكَبِّر شخص يعلم بعضاً من العلم ويظنه كل العلم. أو يعلم علماً، لكنه يصر على أن يتبنى ويقنع الناس بأنه غير مقبول. الكثير من هؤلاء يرى فيما يفعل صالح الناس.
قد يكون الأمر كذلك، لكن واقع الحال يؤكد أننا في زمن اختلط فيه الناس وكثر التعامل بينهم، وتحاوروا نتيجة ثورة الاتصالات بشكل لم يسبق له مثيل. عندها يُصدم كثيرون بأن مفاهيم تربوا عليها، ليست دقيقة فيما يخص العلم الشرعي، خصوصاً في مجال الفقه.
أصخب الدعوات التي نسمعها تأتي من أشخاص نقص لديهم الوعي بالاختلاف أو حاولوا أن "يجرُّوا" العالم وراءهم نحو فكرة أو مذهب أو جماعة معينة. سبب هذا هو عدم قناعة شخص بما يقول، فيرتفع صوته الظاهري ليكبت ما بداخله من صراع بين المفاهيم والمعتقدات.
الكثرة التي نراها اليوم تقع ضمن انتشار الخير بين الناس وحبهم لعلماء الشريعة والدعاة بشكل عام دون تصنيف أو تمحيص، وهو طبع قد لا يكون بالضرورة جيداً. الثقة العمياء وتبني أفكار آخرين دون تمحيصها وعرضها على الكتاب والسنة وإجماع الأمة خطأ ارتكبه كثيرون ممن يسجدون اليوم للأشخاص أو يقبلون الأرض التي يمشون عليها أو يتمسحون بالقبور، طالبين الموتى أن يشفعوا لهم، وغيرها من سلوكيات لا يرضاها الدين قبل العقل.
نحن في حاجة إلى الكثرة المقننة. الداعية الذي يقف أمام الناس إنما هو يوجِّه عواطفهم قبل عقولهم. أكثر الناس يتعاطفون مع الداعية لأنه يقنعهم بما يقول، سواء كان صحيحاً أم لم يكن كذلك.
بربط ذلك مع خيرية المجتمع وانعدام التمحيص لدى الناس وحبهم للدين الذي يجعل الدعاة يظفرون بأكبر عدد من المتابعين في برامج التواصل الاجتماعي، يتأكد لنا ضرورة إيجاد قواعد تحكم السماح للأشخاص بالوقوف أمام الناس وتوجيههم.
عن هذه القواعد أتحدث غدا - إن شاء الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي