المكاسب الجغرافية لـ«داعش» تعتمد على مدى صمود تحالفاتها
الأزمة العراقية التي أثارها هجوم الجهاديين من دولة العراق الإسلامية (داعش) قبل شهر سمحت بربط مساحات شاسعة من الأراضي بين سورية والعراق، في منطقة أعلنها قائد المنظمة أبو بكر البغدادي بأنها "الخلافة الجديدة". مع ذلك، فإن مكاسب داعش واستدامتهم على المدى الطويل تعتمد على صلابة تحالف متنوع جداً يربط المنظمة مع مجموعات مختلفة، التي بدورها تتباهى بجداول أعمال ووجهات نظر متعددة. هل من الممكن أن يؤدي التصدّع في النسيج السياسي المعقّد الذي نسجته داعش في الموصل، إلى انقسامات أكبر في المستقبل؟
من خلال تأكيد القومية العراقية السنيّة وأهمية العشائر العراقية، كانت منظمة داعش قادرة على الاستفادة من المظالم السنيّة الواسعة ضد السياسات الطائفية لرئيس الوزراء نوري المالكي لضمان توسعها السريع في جميع أنحاء العراق.
إن سقوط الموصل لم يجلب إلى الشوارع الجهاديين فقط، ولكن أيضاً الشخصيات العسكرية من نظام حكم الدكتاتور صدام حسين. اثنان من زعماء المتمردين دخلوا المدينة مع البغدادي، عزت إبراهيم الدوري ومحمد يونس الأحمد، وهما من كبار الأعضاء السابقين في حزب البحث والجيش في العراق.
من المثير للاهتمام، أن من بين نوّاب البغدادي الحاليين يوجد أيضاً أعضاء بارزون من الجيش العراقي السابق، وفقاً لمقالة نشرتها أخيراً صحيفة التيليجراف البريطانية هما أبو علي الأنباري وأبو مسلم التركماني. الأنباري الذي كان يتولى منصب لواء في الجيش العراقي في عهد صدام حسين هو مسؤول الآن عن إدارة العمليات في أجزاء سورية التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية. وكان أبو مسلم التركماني برتبة مقدّم في استخبارات الجيش العراقي كما أمضى وقتاً أيضاً كضابط في القوات الخاصة، وذلك وفقاً لصحيفة التيليجراف.
إلى جانب دمج أعضاء الجيش الساخطين إلى منظمته، يقول الخبير فريد وهري، من مركز الأبحاث كارنيجي، في تقرير نُشِر أخيراً، فإن داعش قامت "بالتحالف مع البعثيين الصوفيين مثل جيش رجال الطريقة النقشبندية، والقبائل السنّية، وجماعات المقاومة الإسلامية العراقية مثل جيش محمد وأنصار السنّة.
يتألف جيش رجال الطريقة النقشبندية، الذي يعتبر واحداً من المجموعات الأكثر تأثيراً في الموصل، في الغالب من ضباط بعثيين من نظام صدام ويترأسه عزت إبراهيم الدوري. وجيش رجال الطريقة النقشبندية لديه علاقات مع العديد من الأفراد والقبائل المحلية.
المجموعات الأخرى تشمل منظمة الإصلاح وجبهة الجهاد (RJF) وهي منظمة ذات نفوذ سنّي مؤلفة من ثلاث مجموعات قومية متمردة: جيش العراق الإسلامي (IAI)، وجيش المجاهدين، وأنصار السنّة. الأمر المثير للمفارقة أنها كانت قد عارضت المجموعة التابعة لتنظيم القاعدة في العراق في أواخر العقد الأول من الألفية.
كذلك عصائب العراق الجهادية (التي كان لديها أيضاً علاقة غير ثابتة مع القاعدة في عام 2007، وفقاً لمجلة الحرب الطويلة The Long War Journal) وجيش أحمد بن حنبل يعملون جميعهم في الموصل في الوقت الحالي. هذه المجموعات لديها اتصالات مع الشيخ حارث سليمان الداري، مؤسس هيئة العلماء المسلمين في العراق، الذي هو على صلة عميقة بالتمرد العراقي. وهو يمثّل شخصية رئيسة للمقاومة السنّية ضد الحكومة التي يقودها الشيعة.
لقد انضمت هذه المجموعات مع داعش لأسباب تتعلق بمصالح مشتركة كما أكد نائب الرئيس العراقي السابق والزعيم السياسي السنّي العربي طارق الهاشمي في إحدى المقابلات مع شبكة BBC، في شهر حزيران (يونيو). اعترف قائلاً: "نحن «السنة المعتدلون» لدينا جداول أعمال مختلفة عن جدول أعمال داعش ... نحن لسنا متطرفين ... لكننا نتشارك الأهداف نفسها مع داعش المتعلقة بإسقاط المالكي أو الحكومة التي يقودها الشيعة".
نظراً للآليات العسكرية الكثيرة التنوع التي يقودها أعضاء داعش، تبرز العديد من الأسئلة مثل متانة تحالف المنظمة مع المجموعات الأخرى، حيث توجد علاقة هشة بين المجالس العسكرية المختلفة في المدينة، في حين أن القبائل السنّية هي قريبة إلى جيش رجال الطريقة النقشبندية وزعيمه الدوري، والضباط البعثيين، أكثر مما هي مع داعش أو البغدادي.
يتساءل وهري: "هل المجموعة المتآلفة المتنوعة التي يوحدها العداء المتبادل للزعيم (رئيس الوزراء المالكي) الذي يُبالغ في إظهار وطنية عنيفة ستدوم إلى ما بعد نشوة المعركة الحالية، عندما تظهر أسئلة صعبة تتعلق بالحُكم؟ هل يمكن للنزاعات المتنافسة للقومية العراقية والإقليمية القبلية أن تتعايش مع خطط داعش الألفية للخلافة؟ وإذا قامت داعش بنقل الإدارة إلى مثل هذه المجموعة المتنوعة من مراكز السلطة، هي يمكن اعتبارها بالفعل قد حققت هدفها المتمثل بإقامة دولة إسلامية خالصة؟".
#2#
ما يحدث بالفعل، هو أن التصدّع ينمو في هذا التحالف الانتقائي. وفقاً لمقالة نشرتها وكالة رويترز الأسبوع الماضي، قام الجهاديون الذين اجتاحوا مدينة الموصل الشهر الماضي باعتقال شخصيات من كبار ضباط الجيش السابقين وأعضاء من حزب البعث السابق للدكتاتور صدام حسين بعدد يراوح بين 25 و 60 شخصاً. من بين أولئك الذين تم اعتقالهم كان الجنرال وعد حنوش، قائد القوات الخاصة في عهد صدام، وسيف الدين المشهداني، زعيم حزب البعث البارز في قائمة الجيش الأمريكي لـ "أكثر العراقيين المطلوبين" خلال الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003.
لم تعمل منظمة داعش على استهداف الشخصيات البعثية فقط، بل ركّزت غضبها أيضاً على علماء الدين. وفقاً لبرقية من ماك كلاتشي، قامت المنظمة بإعدام 13 عالما دين مسلماً سنّياً الشهر الماضي في الموصل. أحد رجال الدين الأوائل الذين تم إعدامهم، وفقاً للبرقية الإخبارية نقلاً عن الأمم المتحدة، كان إمام جامع نورالدين الكبير في الموصل، محمد المنصوري، وهو المكان الذي قام فيه أبو بكر البغدادي بتقديم خطابه الأول على التلفزيون في وقت مبكر من شهر تموز (يوليو).
مثل هذه التحركات تعتبر مؤشراً قوياً على محاولة داعش المنهجية لإسكات الأصوات المعتدلة بين أهل السنة في العراق. كل المسلحين وعلماء الدين الذين اعتقلوا أو قتلوا من قِبل داعش كانوا مستهدفين لعدم مبايعتهم للدولة الإسلامية.
تتصرف منظمة داعش بسرعة ضد المنافسين المحتملين مستندة إلى الزخم الذي ولدته انتصاراتها الأخيرة، في محاولة لتأمين وتعزيز مكاسب طالما أن الفترة الزمنية الوجيزة التي توجد فيها الفرصة تسمح بذلك. ولم تنس المنظمة تاريخها في العِداء مع العديد من حلفائها الحاليين، الذين حاربوا ضد تنظيم القاعدة الذي سبقها في العراق، خلال هجوم الولايات المتحدة "المندفع" في عامي 2006 - 2007. حيث تعرف أن قدرتها على السيطرة على الأراضي تعتمد على دعم القبائل والمليشيات المحلية والصفقات المؤقتة، سواء كانت بسبب الخوف، أو المصالح المشتركة.
سيحاول أعضاء منظمة داعش تعزيز سلطتها في الموصل لضمان استمرارية مشروع خلافتها طويل الأجل. يوضّح وهري، أن الإنزلاق إلى حرب طائفية، مدعومة باستجابة خرقاء من جيش المالكي والمليشيات الشيعية المتحالفة معه، سيعمل على توطيد وازدهار داعش. حيث يقول: "إن القبائل، والمؤيدين السابقين لصدام، وغيرهم من السنة المتضررين سيتحملون تحركاتها القاسية إذا رأوا فيها سلطة مفيدة في معركة وجودية لبقاء شعبهم". ويضيف: "إن أية استجابة (إقليمية) تكون مصممة لاستغلال الانقسامات والتناقضات داخل المنظمة والتحالف الذي قامت بتشكيله هو أمر حيوي ضروري".