نوري المالكي .. رجل الطائفة
أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، يوم الجمعة الماضي، أنه "لن يتنازل أبداً" عن الترشح لرئاسة الوزراء، مؤكداً أن ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه هو "صاحب الحق في منصب رئيس الوزراء ". وقال المالكي في بيان صدر عن مكتبه: "لن أتنازل أبداً عن الترشيح لمنصب رئيس الوزراء، فائتلاف دولة القانون هو الكتلة الأكبر، وهو صاحب الحق في منصب رئاسة الوزراء".
فمَن هو نوري المالكي الذي يرى أنه صاحب الحق في منصب رئاسة الوزراء؟ ومن أين أتى ائتلاف دولة القانون الذي يرى فيه الكتلة الأكبر؟ نوري المالكي هو الاسم الحقيقي لـ "جواد المالكي" الشهير بأبي إسراء؛ الحركي الذي كان يتنقّل بين العراق وإيران وسورية، إبّان معارضته حكم صدام حسين. أما ائتلاف دولة القانون فهو، بحسب بعض المراقبين السياسيين، اليوم، ليس إلا صورة معدّلة ومتمدنة عن حزب ديني بالأساس هو "حزب الدعوة الإسلامية" الشيعي الذي انضم إليه نوري المالكي عام 1968، حيث كان من المقربين لأحد أهم مؤسسيه، صاحب دخيل النجف.
نوري المالكي من مواليد عام 1950 في محافظة بابل، متزوج وله 4 بنات وولد واحد. تلقى تعليمه الثانوي في قضاء الهندية وأكمل تعليمه الجامعي في كلية أصول الدين ببغداد التي أسّسها آية الله مرتضى العسكري، أحد أبرز مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية الشيعي، وهي الجامعة التي كان من أساتذتها آية الله محمد باقر الحكيم، والشيخ عارف البصري.
وأتمّ المالكي رسالته للماجستير في اللغة العربية بجامعة صلاح الدين في أربيل، وكانت الرسالة عبارة عن دراسة حول جده العالم الديني، محمد حسن أبو المحاسن، تبحث في شعره واتجاهاته السياسية. كان نوري المالكي في أواخر السبعينيات موظفًا في وزارة التعليم والتربية في مدينة الحلة. وفي عام 1979 مع سقوط الشاه وبروز ما عُرف بالثورة الإسلامية في إيران غادر العراق متوجهًا إلى إيران. وأقام هناك لمدة ثماني سنوات. تولى خلالها مسؤولية الذراع العسكرية لحزب الدعوة. الذي كان مواليا لإيران إبّان الحرب الإيرانية - العراقية.
وبشهادة بعض معاصريه، يكتب الباحث خالد الناصري لموقع الحوار الإلكتروني: "كان المالكي يتولى مباشرة قيادة هذه القوات لتنفيذ بعض العمليات، داخل العراق، تحت إشراف فيلق حرس النظام الإيراني". ثم في عام 1987 انتقل نوري المالكي إلى سورية ليتولى مسؤولية فرع تنظيم حزب الدعوة هناك.هذه النقلة من إيران باتجاه سورية، والرعاية التي لقيها المالكي من النظامين، يفسرها بعض مناصريه بأنها جاءت نتيجة الخلاف الذي حصل بينه وبين المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، آنذاك. بينما يفسرها معارضوه بأنه انتقال تكتيكي فقط في ذلك الوقت. كما أنه يوضح، من جهة أخرى، سبب ولائه المعلن لسوريا وإيران اليوم. ولكن يبقى الأكيد أن أبا إسراء يحافظ من خلال كل خطاباته السياسية على علاقة وثيقة، بالنظامين السوري والإيراني عموماً، وبالثورة الإسلامية ومنظرها الأكبر آية الله الخميني، على وجه الخصوص.
وفي إثر سقوط النظام العراقي السابق يعود الحركي جواد المالكي إلى العراق، باسمه الصريح، هذه المرة، نوري المالكي، ليختاره، بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي، بحكم خبراته الأمنية، نائبًا لرئيس ما سُمي بـ "هيئة اجتثاث البعث". وفي الدورة الأولى من الانتخابات النيابية العراقية يدخل المالكي البرلمان العراقي بصفته نائبًا من قائمة الائتلاف ثم لفترة أخرى كنائب لرئيس البرلمان. وفي عهد حكومة إبراهيم الجعفري، اُختير رئيسًا للجنة الأمن في البرلمان الانتقالي في 30 كانون الثاني (يناير) عام 2005 حيث كان من المخططين والداعمين الرئيسين لقانون "مكافحة الإرهاب".
وهو "القانون" الذي سيدعم موقفه، لدى الأمريكيين بشكل أكبر، ليتولى بعد ذلك رئاسة الوزراء في العراق فى عام 2006، أي بعد سلفه إبراهيم الجعفري، الذي شهدت البلاد في عهده أحداثاً طائفية عنيفة. وبالوتيرة ذاتها من الصدامات بدأت السنوات الأولى من عهد المالكي؛ ما دعاه لتفويض القوات الأمريكية للتعامل مع ميليشيات المقاومة السنية والمجموعات التابعة لتنظيم القاعدة فى عام 2007، ثم اتجه فى العام التالى للتصعيد ضد الميليشيات الشيعية التابعة للزعيم الشيعى مقتدى الصدر، وهو ما عزّز من موقفه "الوطني" لدى كثير من الفئات الكردية والسنية.
حيث كانت الصورة التي يحاول المالكي تقديمها للجماهير، في تلك الفترة، هى أنه يؤسس "دولة القانون"، لذا اختار أن يكون اسم الائتلاف الذى دخل به الانتخابات البرلمانية فى 2010 بنفس الاسم. لكن نتائج الانتخابات اضطرته إلى الدخول فى شراكة مع ائتلاف "العراقية" المدعوم بأغلبية سنية من أجل تشكيل حكومة ائتلافية.
وبعد انتهاء اللعبة السياسية وتكوين الحكومة بفترة قصيرة، تكشّفت النيّات الحقيقية لـ "الوطني" نوري المالكي، لتعود للذاكرة صورة "الحركي" جواد المالكي، ليسعى بكل ما أوتي من قوة للإطاحة برموز هذا التحالف الهش، وكان أبرز مَن أطيح بهم نائب الرئيس العراقى، طارق الهاشمى العضو بــ "ائتلاف العراقية". الذي صدر في حقه مذكرة اعتقال وواجه اتهامات بتمويل الإرهاب في أثناء أحداث التمرد السني بالعراق، وانتهى هاربا في تركيا بعد صدور حكم إعدام ضده في أيلول (سبتمبر) 2012.
وإمعانا في تكشّف الأوراق السياسية والقانونية التي كان المالكي يغطي بها حركيته الطائفية، أتت الأزمة العراقية الأخيرة لتكشف مدى هشاشة خططه الأمنية والوطنية بعد انسحاب الجيش العراقى، دون أدنى مقاومة، وهو الجيش الوطني الذي تكلّف إعداده المليارات، أمام تنظيم "داعش" الذي يستغل اليوم هذا الموقف الضعيف والطائفي لحكومة المالكي للتحالف مع آخرين ولتمديد رقعة نفوذه. يُذكر أن كل هذا الفشل يأتي في الوقت الذي ادّعى فيه المالكي، لعهود مضت، أمام حلفائه الأمريكان، سيطرته على الملف الأمني، وخبرته فيه، ما عزّز من تمكينه رئيساً للوزراء.
وعوضاً عن الاعتراف بفشله، أمنياً ومدنياً، تجاه شعبه، تاركاً الفرصة لحكومة وطنية توافقية، يصر المالكي اليوم على البقاء، و"عدم التنازل أبداً" كما صرح بذلك، أخيراً. ليجد في هذه الأزمة فرصة أخرى للتحالف "علناً" مع إيران، إضافة إلى إبداء الكثير من التسامح تجاه انحلال الجيش الوطني وعودة الميليشيات الشيعية إلى الساحة العراقية، رغم صدامه معها قبل ست سنوات، ما يؤكد توقعات كثير من المحللين السياسيين الذين يرونه، بهذه السياسات المتقلبة وبهذا التعنت، يأخذ العراق باتجاه حرب طائفية أهلية تفتت العراق - لا قدّر الله.