فاقد الشيء يعطيه
خصص الخريج الكويتي محمد الشمري كلمته في الحفل، الذي أقامته الكلية التي يدرس فيها ببريطانيا؛ للحديث عن دور جدته في تشجيعه على الدراسة والتحصيل العلمي. المفارقة أن جدة محمد لا تقرأ ولا تكتب، ورغم ذلك استطاع أبناؤها، بتشجيع ودعم منها بعد الله - سبحانه وتعالى -، الحصول على أعلى الدرجات العلمية. فاثنان من أبنائها طبيبان وآخر محاضر في الجامعة، ولديها ابنة تعمل في الإدارة التربوية، ناهيك عن أحفادها الذين لا يقلون إبداعا عن أسلافهم.
يقول محمد وهو يرفع صورة جدته وهي تصلي: "لقد كانت تكافئ ابنها المتفوق برحلة خاصة معها وزوجها إلى مكة لأداء العمرة". يشير محمد إلى أن والده وأعمامه وعماته كانوا يقاتلون في سبيل الظفر بهذه الرحلة، التي يعود الفائز منها محملا بالأجر والهدايا.
كانت كلمة محمد ملهمة جدا والأكثر إلهاما منها بالنسبة لي هي أنها اغتالت في داخلي صحة المثل، الذي نردده بإسراف في مجتمعاتنا عندما نقول "فاقد الشيء لا يعطيه". فجدة محمد، التي تفقد مهارة القراءة استطاعت أن تعطي أبناءها تشجيعا ساعدهم على الوصول إلى أهدافهم العلمية والعملية بواسطة جسر القراءة الذي تفتقده.
ولا يقتصر الأمر على جدة محمد، وإنما كل من يفقد أي شيء. فمن يفقد أي شيء يكون أكثر تقديرا وحرصا عليه ممن لديه هذا الشيء. يكون اندفاعه نحوه كبيرا ومؤثرا؛ فمثلا المصاب بمرض ما يدرك تماما أهمية الصحة أكثر من الأصحاء أنفسهم، ينظر إليها من زوايا لا نطالعها أو نلتفت إليها.
إننا نجني على مجتمعاتنا بأمثلتنا القاتلة التي تدفعنا للصمت إيثارا للسلامة؛ فكلما تكلم أحدنا أشهرنا في وجهه مقولة "فاقد الشيء لا يعطيه".
كثيرون ممن فقدوا مهارات وأدوات وإمكانات يكونون أكثر إيمانا بها وعطاءً لها ممن يملكونها. يشعرون بمعاناة تجعلهم يقاتلون ليعوضوا هذا الفقد.
لمَ نعشق أن نجفف المنابع ونقنن الإبداع ونئد المبادرات؟ لندع الجميع يحلقون ويبدعون ويتألقون دون أن نوقفهم بعباراتنا وأمثلتنا، التي تجهض الفرح وتعزز الضجر.
يجب أن نثمّن جيدا عطاء المحرومين، فلديهم طاقة لا يملكها سواهم. فاقد الشيء يعطي ويلهم ويؤثر.
فالقمر، الذي يمنحنا كل هذا الضوء أكثر الكواكب ظلاما، والشجر الذي يهبنا الظلال يكتوي بلهيب الشمس.