سلطان بن سلمان: 30 فريقا علميا تعمل على النقيب عن الآثار في السعودية
افتتح الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، مساء أمس مؤتمر الجزيرة العربية الخضراء، الذي تنظمه الهيئة بالتعاون مع جامعة أكسفورد، في مدينة أكسفورد البريطانية .
وفي بداية حفل الافتتاح تم عرض كلمة للأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا عبر فيها عن حرصه على هذا المؤتمر الذي يركز على قضيتين رئيستين تقعان ضمن اهتمامه الخاص وتحظيان بمتابعة كبيرة في دول العالم، هما فهم الحضارات والتغيرات المناخية التي أدت عبر العصور لتبدل وجه الأرض وبالتالي تباين مواقع الاستيطان البشري.
وأوضح أن احتضان جامعة أكسفورد للمؤتمر الذي يركز على بقعة جغرافية مهمة جداً يؤكد بالأدلة العلمية التي توصل لها الباحثون، السعوديون وباحثو أكسفورد والبعثات الدولية الأخرى، أن الجزيرة العربية بالحضارات التي نشأت فيها أو مرت عليها، وآخرها الدين الإسلامي العظيم، كانت دائما مؤثراً كبيراً في الثقافة الإنسانية و عنصراً مهماً في الحوار بينها.
#2#
كما ألقى الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز كلمة خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر قال فيها : إن مشروع "الجزيرة العربية الخضراء" الذي يستعير هذا المؤتمر عنوانه، وتعمل عليه الهيئة العامة للسياحة والآثار من خلال فرق علمية سعودية تساندها فرق من علماء الآثار من مراكز بحثية مرموقة عالمياً، عنصراً مهماً في مشروع أكبر هو مشروع " الملك عبدالله للعناية بالتراث الحضاري" الذي صدرت موافقة مجلس الوزراء عليه منذ أسابيع قليلة، والهادف لإعادة الاعتبار للآثار والتراث الوطني، ودراستهما وفهمهما وربط المواطنين بهما، بوصفهما صفحات مشرقة لتاريخنا المشرق الذي توجه شروق شمس الإسلام فيه وفي أرضه متنزل الكتاب ومنها مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أرضها الحرمان الشريفان، وهو ما يمثل أهم قيمة يتمسك بها مواطنو هذه البلاد ويفخر بها سكان الجزيرة العربية منذ القدم .
وأوضح أن العناية بمواقع الآثار وشواهد الحضارات السابقة للإسلام التي عقبها الإسلام و أظهره عليها لم يهمشها أو يهدمها، وإنما احترمها وأبقاها ليستمر الفهم وتتصل العبرة، وما تلى ذلك من شواهد التاريخ الإسلامي في العصور المتتابعة وصولاً إلى التاريخ الحديث الذي تحفظ لنا آثاره ومواقع التراث العمراني المنتشرة في كل شبر من المملكة حكاية إسهام أبناء المملكة دون استثناء تحت قيادة الملك عبد العزيز في بناء أعظم وحدة حصلت في العصر الحديث، وتقريب هذا التسلسل التاريخي العظيم من أذهان المواطنين وقلوبهم، وبالأخص فئة الشباب، للرفع من اعتزازهم بتاريخهم وتهيئتهم لإكمال مسيرة التقدم الحضاري الذي دائماً يملكها إنسان الجزيرة العربية، وكان عليها آباؤهم في المملكة العربية السعودية المحبين لبلادهم في كل حالاتها، ولتبقى الآثار مكوناً أساسًا ضمن هويتنا الوطنية.
وأكد أنه "ما كان لهذا الاجتماع أن يتحقق، ولا الوصول إلى هذه المرحلة من الفهم للحضارات التي مرت على الجزيرة العربية، والتوسع في بعثات التنقيب، ولا للعناية الكبيرة بمواقع التاريخ الإسلامي وكل ما يرتبط بالتراث الوطني ما كان لذلك جميعه أن يتحقق بدون توفيق الله ثم الدعم الكبير الذي نجده من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود الذي يعد الملهم الأول لجهود العناية بالتراث الوطني، والموجه الدائم باستمرار دراسة التراث بشكل أكبر والعناية بمواقعه لإدراكه أن هذه البلاد ليست طارئة على التاريخ، وأن ثقلها على المستويات الإسلامية والاقتصادية والسياسية، وتميز مواطنيها في شتى المجالات ليس حادثاً جديداً على هذه المنطقة، بل لا بد لشواهد الآثار أن تثبت تفوق إنسان الجزيرة العربية عبر العصور، وذلك ما تثبته الدراسات المستقلة وتؤكده النتائج العلمية المدققة كل يوم" .
وركز في كلمته على محاولة فهم الترابط بين المكونات الأساس التي تعرف بها المملكة العربية السعودية عالمياً، إذ أنها مهد الإسلام والقوة الاقتصادية التي جعلتها ضمن أعظم عشرين اقتصاداً في العالم، وهي الثقل السياسي الأهم في المنطقة، وهو ما لا يكتمل فهم منطلقاتها، وأسباب استمرارها إلا بمعرفة الجذور التاريخية والتراثية لهذا المجتمع من خلال استقراء الشواهد الأثرية الباقية، ليتضح لنا أن هذه السمات لم تبرز من فراغ، ولم تطرأ مؤخراً بل لكل منها جذوره التي تجعل منه أمراً متوقعاً، وتساعد على إدراك الترابط العميق فيما بينها، وباختصار، لكي نفهم جميع سمات شبه الجزيرة العربية، يجب علينا الابتداء من تاريخها العريق.
واستعرض الأمير سلطان بن سلمان المكونات الأساس التي تعرف بها المملكة بذكر أولها وأهمها و هو بعدها الإسلامي، إذ يمثل الإسلام المحور الأساس الذي قامت عليه، وحصل حوله التوافق لقيام الدولة الحديثة، والأساس الذي تستمر الدولة قائمة به، وهو الدين الذي نزل في هذه البقعة من الجزيرة العربية، لينتشر منها إلى العالم، متخطياً مناطق استوطنتها حضارات أخرى، ليصبح اليوم واحدا من أسرع الأديان نموا، وقدرة على التعايش عبر العصور وبمرور الأزمنة والمتغيرات الحياتية لما يتسم به من مرونة وشمولية وضعها الخالق سبحانه في الدين الخاتم للأديان والباقي إلى قيام الساعة .
وقال : إن البعد الآخر الذي تعرف به المملكة اليوم هو مكانتها الاقتصادية، الذي يستطيع أي متابع للتسلسل التاريخي أن يمس أن شبه الجزيرة العربية كانت غنية لحقب طويلة قبيل اكتشاف النفط، وهذا يؤكد بشكل واضح أننا شعب المملكة لسنا "غريبين على النعمة"، وأن ازدهار الأنظمة الاقتصادية التي قامت على التجارة وطرق القوافل لم يكن ممكن التحقيق بدون سكانها، وأن أحفاد تلك الشعوب وهم مواطنو المملكة العربية السعودية الذين يعيشون مرحلة التحديث ويوظفون الثروة لتحقيق التطور اليوم، قادرون على مواصلة ما بدأه أسلافهم الذين مارسوا التجارة مع القوافل الوافدة من كل حدب وصوب، ومنحوها الحماية على مدى التاريخ، وبقي معهم العزم التوثب والانفتاح لبناء حضارة عظيمة نرى شواهدها اليوم في الدولة الحديثة.
وعرج على المكون الثالث من سمات المملكة وهو حضورها السياسي والاجتماعي في مسرح الأحداث العالمية، حيث تقف المملكة العربية السعودية اليوم على المسرح الدولي صوتاً للسلام والاستقرار بحكم أنها تقوم بدور مركزي في الشؤون الدولية مع تحمّل مسؤولياتها الإنسانية بكل ثبات وإصرار .
ولفت سموه النظر إلى أن المبادرات التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز مثل حوار الأديان وحوار الحضارات- التي لم تأت من فراغ إلا شواهد على هذا الدور العالمي، وهو دور يمارسه ورثة تاريخ طويل من التفاعل بين الحضارات والتبادل الثقافي، وهذا يكسبنا في المملكة العربية السعودية القدرة والإمكانية كي نمارس القيادة لتحقيق التفاهم المتبادل والسلام وتأمين مستقبل الإنسانية، إذ أن الاستقرار هو أساس الحضارات العظيمة، فيما الجغرافيا والتاريخ توجب علينا القيام بدور محوري في العالم وفي الشؤون الإنسانية.
وعبر الأمير سلطان بن سلمان عن سعادته كون البحوث العلمية، التي تعرض في هذا المؤتمر، تظهر أن التغييرات المناخية المتتالية التي تتراوح من حقب الجفاف إلى مواسم الأمطار التي عمّت أرجاء شبه الجزيرة العربية وهو ما أثبتت المكتشفات الحديثة وجود بحيرات وأنهار قديمة كانت السمة العامة للجزيرة العربية، ولتخبرنا أن هذه البحوث والمكتشفات ما هي إلا مجرد بداية لمشروع "الجزيرة العربية الخضراء"، وتثبت بالدليل العلمي نبوءة نبينا صلى الله عليه و سلم قبل خمسة عشر قرنًا مستشهد بقوله صلى الله عليه و سلم : " لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً و أنهاراً " و هي دلالة قطعية على أنها كانت كذلك من قبل .
وبين أن الهيئة العامة للسياحة والآثار تثمّن بشكل كبير هذا التعاون في حقل الاكتشافات الأثرية التي تحظى بدعم كامل من خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين ، لتضع أهمية عظيمة على بعثات الاستكشاف والتنقيب عن الآثار، كاشفاً أن الهيئة تعمل بشكل غير مسبوق بالتعاون مع 30 فريقًا علميًا في مناطق المملكة المختلفة مع بعثات آثار من دول عدة مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وألمانيا واليابان وبلجيكا وبولندا وفنلندا والنمسا إضافة إلى الجامعات السعودية ونخبة من العلماء المتخصصين في الحقب التاريخية المختلفة، والجيولوجيا، ويشارك فيها مؤسسات وطنية مثل الهيئة السعودية للحياة الفطرية، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وهيئة المساحة العامة، وهيئة المساحة الجيولوجية، وهيئة الأرصاد وحماية البيئة، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وجامعات الملك سعود وحائل وجازان .