رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


هل حقاً لدينا .. إدارة مدن؟

يُطرح هذا التساؤل في ظل ما تعانيه المدن السعودية من مشكلات، وما تواجهه من تحديات كبيرة في إقرار وتنفيذ ومتابعة المشاريع وتوفير الخدمات العامة. إن السؤال يكتسب أهميةً بالغةً لأن المدن مكان الفعل والنشاط الاجتماعي والمحطة الأخيرة والتأثير النهائي لعملية صنع السياسات والبرامج العامة. لذا تمثل المدن ثقلا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لابد من إدراكه والاعتراف به والعمل على إيجاد وسائل وأساليب جديدة لإدارتها. لقد مضى زمن طويل ''وما زال'' يُنظر فيه إلى المدن على أنها مستقرات عمرانية تقدم لسكانها الخدمات العامة، وتقام فيها المشاريع الحكومية باتجاه واحد ومن خلال قطاعات وأجهزة حكومية متعددة. وهذا مكمن المشكلة في إدارة المدن السعودية! فالقضايا الحضرية معقدة ومتداخلة ومتشابكة، ولا يمكن التعامل معها ومعالجتها من خلال قطاعات وأجهزة متفرقة وبمرجعيات متعددة. على سبيل المثال لا يمكن معالجة مشكلة الازدحام المروري دون تنسيق بين جهات حكومية متعددة ليس من خلال حلول آنية، وإنما بخطط استراتيجية مستقبلية طويلة المدى تتعلق بالحد من التضخم السكاني للمدن، وتطبيق سياسات الهجرة العكسية. وهذا يجرنا للحديث عن أهمية التعرف على توجهات السكان حول: كيف يرغبون أن تكون عليه مدينتهم مستقبلاً من ناحية الحجم وطبيعة النشاط الاقتصادي؟ إن المدينة هي البيت الكبير ولا يمكن تصور إدارتها دون أن يكون لسكانها دور في صناعة القرارات المحلية التي تهمهم وتحدد جودة الحياة ومستوى الإنتاجية الاقتصادية في مدينتهم، لكن كيف السبيل إلى ذلك في ظل عدم وجود هيئة محلية معنية بإدارة شؤون المدنية بجميع قطاعاتها؟!. هناك مشكلات اجتماعية مثل الفقر والعنوسة والبطالة، وهي مشكلات محلية ملحة ومهمة، وتتطلب إدراكها والاعتراف بها، والبحث عن حلول محلية تنطلق من التنمية المحلية وزيادة دخل المدينة من خارج الاقتصاد المحلي، وتحريك الموارد، ورفع القدرات المحلية. وهذا ما لا تستطيعه المدن وهي تُدار من قبل أجهزة حكومية متعددة ومتفرقة وبسياسات تصل في بعض الأحيان إلى التضاد والتصادم. وما عليك لترى هذا التشتت والتشرذم الإداري سوى أن تسير في طرقات المدن لتشاهد الحفر والدفن وتشويه الشوارع، وهي ظاهرة لمشكلة عدم وجود هيئة محلية واحدة تدير المدينة. لم تعد الكفاءة والفاعلية في أداء الأجهزة الحكومية كافيةً؛ ولكن لابد من عمل مشترك وتنسيق للجهود والموارد في إطار استراتيجية محلية تعكس الاحتياجات الحقيقية للمجتمع المحلي. فالأجهزة البيروقراطية منكفئة على نفسها، وتسعى لتحقيق أهدافها، وتطبيق إجراءاتها التي لا تعكس بالضرورة احتياجات وتفضيلات وتوجهات سكان المدن. وهكذا تكون الخدمات والمشاريع إما أكثر أو أقل من المطلوب نوعاً وجودةً وتنفيذاً، أو ــــ وهي المصيبة ــــ ألا تكون تلك الخدمات والمشاريع مطلوبة اجتماعياً ولا تستجيب لأولويات المجتمع المحلي.
المدن السعودية تمر بتغيرات حضارية وسكانية واقتصادية وثقافية يلزم التنبه إليها واحتواؤها ليس بمزيد من الخدمات والمشاريع وحسب، وإنما بصياغة نظام للإدارة المحلية ينظر للمدن كوحدات سياسية لها حدود موثقة وهيئة محلية مسؤولة عن رعاية مصالح السكان في نطاقها المكاني المحدد. وربما لو منحت المجالس البلدية الصلاحيات الإدارية والمالية ووسعت دورها لإدارة المدن بجميع قطاعاتها، لحققت الغرض المنشود. المجالس البلدية بوضعها الحالي هي لجان مرفقة بجهاز البلدية بسلطات استشارية ضعيفة، بل من الغريب العجيب أن يكون رئيس البلدية من بين الأعضاء، أو قد يكون رئيساً للمجلس الذي يفترض أن يراقب أداءه!. تطوير المجالس البلدية لترتقي إلى المستوى الذي تصبح فيه هيئة مسؤولة مسؤولية شاملة عن جميع قطاعات الخدمات في المدينة، أمر ضروري ويتعلق بالأمن الوطني وليس من باب الترف السياسي أو تقليد الآخرين. إن المستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية مثل الإعلام الجديد، والعولمة، والمنافسة العالمية، والتغيرات الثقافية والسياسية، جميعها تحتم إيجاد وسائل وأساليب جديدة للتحكم والسيطرة والإشراف الضيق القائم على الإدارة الذاتية للمجتمعات المحلية. كما أن انتهاج الإدارة الذاتية يعكس النضج الذي وصلت إليه المجتمعات المحلية، ويتطلب صياغة الأطر التنظيمية، وتهيئة المناخ المؤسسي الذي يدفع نحو تحريك وتطوير القدرات المحلية. لابد من إدراك أن السعي نحو تحقيق تقدم اقتصادي وصناعي وحضاري، يتطلب تطوير صناعة القرار المحلي؛ لأن التنمية المحلية هي جذور التنمية الوطنية.
إن المدن تعيش فراغا إداريا كبيرا، ويُخشى أن يصبح له تبعات أمنية واجتماعية واقتصادية خطيرة في المستقبل. وقد يكون عدم وجود محافظين في عواصم المناطق دليل على غياب مفهوم إدارة المدن وتداخل الإدارات الإقليمية مع الإدارات المحلية.
الحديث عن تطوير إدارة المدن يلزم أن يكون في إطار الإرث الإداري السعودي، فالملك عبد العزيز ــــ يرحمه الله ــــ انتهج اللامركزية كوسيلة لمنح السكان إدارة شؤونهم من منطلق أن أهل المدن أدرى بشؤونهم، ومن ناحية أخرى فإنه كان يرى أن اللامركزية آليةٌ للتحكم والسيطرة والتوجيه، وهذا ما يغيب عن البعض عندما يعتقد أن اللامركزية وتفويض الصلاحيات يضعف السلطة المركزية! كما يجب ألا يغيب عن الأذهان أن لدينا تجربة فريدة وناجحة في إدارة المدن، هي تجربة الهيئة الملكية لمدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين. فلقد مُنحت الهيئة جميع الصلاحيات الإدارية والمالية لتطوير وتخطيط وتنفيذ وإدارة ومتابعة الخدمات وإقامة المشاريع وسن التشريعات. الجميع يشهد أن المدينتين نموذجيتين بكل المعايير بما في ذلك المعايير الدولية. ومن زار مدينتي الجبيل وينبع يخالجه شعور بالفخر والاعتزاز أن بمقدورنا أن نعمل الأشياء بطريقة أفضل وبكفاءة وفاعلية. وهنا يبرز تساؤل مهم، وهو: هل في الإمكان استنساخ وتعميم تجربة الهيئة الملكية لمدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين؟ وإذا كان الجواب بـ ''نعم''، فلماذا لا نفعل ذلك؟ إنه أمر محيِّر أن نعلم ما يجب عمله، وندرك أهميته، وقدرتنا على عمله، ولكن لا نعمله!
نعود ونتساءل من جديد في ظل ما تعانيه المدن من مشكلات: هل حقاً لدينا.. إدارة مدن؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي