مركز للدراسات الحكومية والتفكير الاستراتيجي
ثمة حقيقة مخيفة وجديرة بالاهتمام في أن ما يحدث في المنطقة من تغيرات ينذر بمستقبل يحمل الكثير من التحديات التي يتعين علينا كدولة وكمجتمع الإعداد لها بالتنبؤ والتعرف عليها وإدراكها والاعتراف بها، ومن ثم مناقشتها بشفافية ومصداقية وموضوعية ووضع حلول جذرية ورؤية مشتركة لما ينبغي عمله، ومن ثم تنفيذها بالتزام شديد وعزيمة صادقة. لقد عشنا ردحاً من الزمان ننعم بالأمن والأمان والرخاء الاقتصادي، ما جعلنا نسترخي ونقبع في منطقة الراحة، وأخشى أن ذلك يجعلنا لا نعير المستقبل الاهتمام الكافي، بينما التغيرات تحدث من حولنا وفي داخل مجتمعنا تدريجيا وتراكميا دون أن نشعر بها! فهناك تغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وسكانية وحضرية حاضرة بقوة حتى وإن كانت غير مدركة، هذا إضافة إلى التغيرات الدولية والتبشير بالعولمة والديمقراطية وحقوق الإنسان وجميعها تعني التمهيد بل حجج لتدخل الدول الكبرى في شؤوننا الداخلية وفرض أجندتها علينا! ولا ريب أن تلك الدول تتبع مصالحها، وسيكون من السخف والحماقة والسذاجة تعليق مشاكلنا على قراراتها وأفعالها وإلقاء اللائمة عليها وتحميلها ما يحدث من تهديد لأمننا الوطني وزعزعة لاستقرارنا وإثارة للفتن والنزعات الفكرية والمذهبية.
وإذا كان من حق تلك الدول البحث عن مصالحها، حتى ولو على حساب أمننا واستقرارنا، فإنه من حقنا البحث عن صيغ سياسية واقتصادية جديدة تمنحنا القوة والتلاحم، سواء كان ذلك داخلياً بتعزيز الثوابت الوطنية عبر أساليب جديدة لصناعة القرار العام وإدارة الاختلاف لتتناسب مع وقع العصر أو البحث عن توازنات دولية جديدة تخرجنا من دائرة السيطرة الخارجية، وتجعلنا في موقع أكثر قوة ومنعة.
وهنا لا بد من الاعتراف بأن المستقبل أصبح أكثر غموضاً، ولا يمكن افتراض أنه امتداد خطي لما مضى من أنماط وأحداث وقرارات، بل إنه التغيرات تتسارع بدرجة كبيرة جداً وتحولات دراماتيكية تربكنا، ما يصعب استيعابها ووضع الحلول المناسبة لها. وما يزيد من حدة وقع المتغيرات وصعوبة مواجهة التحديات أنها تأخذنا على حين غرة في ظل غياب التخطيط الاستراتيجي، حتى إننا لا نملك سوى ردود أفعال آنية. وغياب التخطيط الاستراتيجي أمر خطير جدا يضعنا في موقف حرج تضيق معه دائرة الاختيارات والفرص المتاحة، وربما دفعنا ذلك إلى قبول الحد الأدنى والرضا بتقليل التكاليف والآثار السلبية في التعامل مع الأحداث بدلاً من تعظيم العوائد والمنافع والصالح العام.
التغير سنة كونية والمجتمعات الأكثر تكيفاً هي الأكثر قدرة على الحفاظ على ديمومتها واستقرارها وقوتها والعكس صحيح. ويعني التكيف الإعداد للمستقبل، ووضع تصورات وخطط، وإحداث تغيرات جذرية وجوهرية في بنائنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما يمكننا من مواجهة تلك التحديات الكبيرة. وهنا لا بد من التأكيد على أن التكيف لا يعني بأي حال من الأحوال أن نكون إمعات أو أن نتنازل عن ثوابتنا الوطنية أو نتخلى عن قيمنا وثقافتنا، ولكن صياغتها بلغة جديدة وتوظيفها بأسلوب جديد يحافظ على نضارتها ويجعلها أكثر حيوية وتتناسب مع معطيات العصر. وهذا يحتم تبني التخطيط الاستراتيجي كنهج في صناعة السياسات والقرارات الحكومية، ليمنحنا الوقت والخبرة والتفكير في المستقبل، والإعداد للقادم من الأيام، وهي أهم ما نحتاجه في بناء مستقبلنا وإدارة شؤوننا العامة والتعامل مع الأحداث الدولية! سيكون من المكلف الانتظار مكتوفي اليدين، متفرجين لحين تقع الأحداث، ومن ثم التعامل معها بردات فعل آنية عاطفية تمنحنا شعوراً مزيفاً بأننا نقوم بعمل ما يجب علينا عمله! ونحن بعيدون كل البعد عن المطلوب.
لقد حان الوقت في أن ندرك أن التغير سنة كونية وأن بقاء الحال من المحال! وأن علينا العمل سريعا نحو إنشاء مركز للدراسات الحكومية والتفكير الاستراتيجي، هدفه استطلاع الأوضاع الراهنة، ورصد توجهات الرأي العام والتغيرات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية، ودراستها دراسة تحليلية عميقة، ووضع تصورات وسيناريوهات وخيارات مستقبلية لما يجب عمله. سيكون المركز بمثابة مخزون للتفكير الاستراتيجي، حيث يضم بين جنباته خبراء وطنيين في جميع المجالات والتخصصات. سيفيد المركز المقترح كمؤسسة مستقلة مهنية وحيادية في تقديم المشورة والدراسات التقويمية للمجالس النيابية مثل مجلس الشورى ومجالس المناطق والمحلية والبلدية، وكذلك للهيئات الحكومية والأهلية، لتكون قراراتها أكثر استجابة وعلى بينة لما يحدث في الوقت الراهن وما سيحدث في المستقبل. سيسهم المركز المقترح في وضع رؤية وطنية مشتركة وتوجهات مستقبلية، وهو ما نحتاجه في مواجهة القضايا التي أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً، ولم يعد يجدي معها التشرذم البيروقراطي والتفكك الإداري، وأن تعمل كل جهة بمفردها! إن الدولة السعودية التي استثمرت في العمران والإنسان، وأنفقت أموالاً طائلة على البنى التحتية جاء الوقت للاستفادة منها، خاصة الاستثمارات في الموارد البشرية في مواجهة تحديات المستقبل. وسيكون المركز المقترح إطاراً مؤسسياً يعمل من خلاله خبراء وطنيون مميزون من جميع مناطق السعودية. الأمر لا يتوقف على تقديم الدراسات ومعرفة ما يجب عمله، ولكن الالتزام بالتنفيذ وإحداث التغيرات المطلوبة حتى وإن كانت صعبة ومؤلمة، لأن صناعة المستقبل واستدامة التنمية تستحق منا التضحية ودفع التكلفة في الحاضر قبل أن تستفحل المشكلات وتتحول إلى طود عظيم وتتضاعف تكلفتها.
إن إنشاء المركز المقترح يتطلب متخصصين متميزين في الدراسات الحكومية في مجالات الإدارة العامة والعلوم السياسية والاقتصاد، وربما كانت كلية إدارة الأعمال في جامعة الملك سعود المكان المناسب لإنشائه. الحديث عن صناعة الاستراتيجية الوطنية قد لا يطرب الكثيرين، لأنهم مشغولون بالحاضر يحسونه ويعيشونه ويستمتعون به، ولا يستطيعون رؤية المستقبل البعيد الغائب الغامض، ولكن ما لا نراه أهم مما نراه. فهل يُنشأ مركز للدراسات الحكومية والتفكير الاستراتيجي ليجعلنا نرى الأمور على حقيقتها ويساعد في صناعة المستقبل؟!