المطلوب نظام مستقل لانتخابات المجالس البلدية
إن انتخابات رئيس ونائب رئيس المجالس البلدية التي أجريت في الشهر الماضي لم تحقق ــــ مع الأسف الشديد ــــ الحد الأدنى من النجاح، حيث شاب هذه الانتخابات المحدودة الكثير من الخلافات والحساسيات، بل إن دائرة التنافس بين المرشحين لم تكن من السعة بحيث تقدم وجوهاً جديدة للمشهد الانتخابي، بل إن معظم الجولات انتهت بإعادة التجديد للرئيس والنائب السابق.
ورغم أن ظاهرة الانتخابات للمجالس البلدية ليست جديدة على الإدارة المحلية في المملكة، فقد أمر الملك عبد العزيز ـــ يرحمه الله ــــ في عام 1343 (1923) بتشكيل المجلس الأهلي المحلي في مكة المكرمة على قاعدة الانتخابات الحرة من التجار والحرفيين والعلماء، وفي السياق ذاته أسست وزارة الشؤون البلدية والقروية إدارة مستقلة تحت مسمى الإدارة العامة لشؤون المجالس البلدية ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، كذلك ينص نظام البلديات والقرى الصادر بالمرسوم الملكي رقم 5/م في 21/2/1397هـ في مادته التاسعة على أنه يتم اختيار نصف الأعضاء بالانتخاب، ويختار وزير الشؤون البلدية والقروية النصف الآخر من ذوي الكفاءة والأهلية، كما تنص المادة العاشرة منه على أن يختار المجلس البلدي رئيسه ونائبه من بين أعضائه بصفة دورية لمدة سنتين قابلة للتجديد، وإذا تساوت الأصوات بين المرشحين فيعتبر قرار وزير الشؤون البلدية والقروية مرجحًا، وتُعقد الانتخابات البلدية كل أربع سنوات، وتتيح للمواطنين المشاركة في إدارة شؤون المجالس البلدية واختيار أعضائها من الأكفاء. وتحكم انتخابات المجالس البلدية لائحة تتكون من 32 مادة وتقع في ست فصول.
كذلك فإن الحكومة ممثلة في وزارة الشؤون البلدية والقروية اهتمت بتطبيق مبدأ الانتخابات بصورة جدية في عام 1423هـ، وذلك تأكيداً على اهتمامها بالانتخابات المحلية.
وفي التجربة الأولى تم تحديد مراكز الانتخاب ومواعيد تسجيل الناخبين وقيد المرشحين ومهلة الترشيح وإجراء انتخاب نصف الأعضاء في 178 مجلساً بلديًا وفق جداول محددة تشمل كل المدن والقرى في المناطق الـ 13 في المملكة، وأجريت الانتخابات على ثلاث مراحل لنصف المجالس، بينما تم تعيين نصف المجالس الأخرى، وتشكلت المجالس نصف المنتخبة من 14 عضواً في كل مجلس من مجالس المدن الكبرى مثل الرياض وجدة والدمام ومكة المكرمة والمدينة المنورة، بينما تشكلت مجالس من 12 عضواً في كل من الطائف والأحساء وبريدة وأبها وحائل وتبوك وجازان والباحة ونجران والجوف.
أما في خميس مشيط وعنيزة والخرج وحفر الباطن وينبع، فإن كل مجلس يضم عشرة أعضاء. وفي بقية المحافظات والمراكز يتشكل كل مجلس من ستة أعضاء، أما مراكز الريف فيضم كل مجلس أربعة أعضاء.
وطبقاً للمادة العاشرة من لائحة الانتخابات، فقد جرت في الشهر الماضي ــــ كما ذكرنا ــــ انتخابات الرئيس ونائبه في الكثير من مناطق المملكة، ولكن يبدو أن التجربة الانتخابية لا تزال في حاجة إلى ممارسات أعمق وشفافية أوفر، فلقد شاب هذه الانتخابات المحدودة الكثير من الخلافات والحساسيات، بل إن دائرة التنافس بين المرشحين لم تكن من السعة، حيث تقدم وجوهاً جديدة للمشهد الانتخابي، وانتهت معظم الجولات بإعادة التجديد للرئيس والنائب السابق.
أمّا بالنسبة للإعلام، فإن الصحافة المحلية لم تحتف بالانتخابات رغم أن الانتخابات المحلية في كل دول العالم هي المادة الرئيسة للصحافة المحلية.
وأزعم أن إهمال الصحافة المحلية للانتخابات المحلية من الأسباب الرئيسة لفشل هذه الانتخابات.
والواقع أن المدة الزمنية التي مرت على تاريخ الانتخابات البلدية كافية كي تحقق هذه الانتخابات نجاحات بعيدة المدى، حيث إن الحكومة تعول على الانتخابات البلدية كي تكون سبيلاً للوصول إلى انتخابات لمجالس المنطقة، ثم وصولاً إلى انتخابات مجلس الشورى، بمعنى إن انتخابات المجالس البلدية هي النواة المهمة لنشر ثقافة الانتخابات بين كل شرائح المجتمع السعودي.
ولكن لا يبدو متسقاً مع المنطق إقرار إنشاء هيئة وطنية للانتخابات بعيداً عن وجود نظام للانتخابات، وحسنا فعل مجلس الشورى حينما رفض التصديق على إنشاء الهيئة الوطنية للانتخابات حتى لا يكون هناك سبب لتدخل السلطة التنفيذية في مجريات الانتخابات.
إذن المطلوب من مجلس الشورى الموقر وضع قانون جديد للانتخابات يعبِّر عن المرحلة، وهذا القانون هو الذي يتضمن كل القواعد القانونية المنظمة لانتخابات نظيفة وشفافة، وإذا فعل هذا مجلس الشورى، فإنه يكون قد وضع الحصان قبل العربة، ومارس مسؤولية التشريع وهي مسؤولية أصيلة وأساسية للمجلس الموقر.
تعتبر الانتخابات من القضايا السياسية المطروحة بقوة في هذه الأيام وبالذات في الدول العربية، ورغم أن مبادئ الانتخابات أخذت بها المملكة ــــ على استحياء ــــ منذ سنوات طويلة في انتخابات مجالس إدارات الغرف التجارية أو في مجالس إدارات الأندية الرياضية والأندية الأدبية، ثم الاتحادات الرياضية.. إلاّ أن ثقافة الانتخابات ما زالت ضعيفة في المجتمع السعودي.
ولذلك حينما دخلنا معترك الانتخابات للمجالس البلدية، فإن العملية الانتخابية أصبحت من القضايا التي تهم المجتمع السعودي، لأنها دخلت في التفاصيل الدقيقة من حياته السياسية والثقافية والاقتصادية.
إن وضع نظام للانتخابات هو الأساس لنجاح أي عملية انتخابية، ودون قواعد تنظم شروط المرشح وإجراءات الترشيح والتصويت والطعون، فإن الانتخابات ستصطدم بالكثير من الخلافات والعراقيل.
وجرت العادة بأن نظام الانتخابات يتضمن كيفية إنشاء هيئة وطنية تتولى مسؤولية تنفيذ الانتخابات على أسس العدالة والشفافية والنزاهة.
ولا أتصور أنه عسير على مجلس الشورى المبادرة بوضع نظام جديد للانتخابات يحل محل لائحة الانتخابات ولا سيما أن المجلس ذاته هو أول من سيستفيد من تطبيق هذا النظام.
إن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وعد بإشراك المرأة في انتخابات المجالس البلدية ناخبة ومرشحة، كما وعد جلالته بزيادة عدد الأعضاء المنتخبين من النصف إلى الثلثين حتى بلوغ مرحلة النضج بانتخاب جميع الأعضاء.
وأخيرا فإن وضع نظام للانتخابات يؤسس لمشاركة سياسية ناجحة.