رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


قيادة المرأة.. ليست القضية

تبرز من حين إلى آخر قضية قيادة المرأة للسيارة وتستولي على اهتمام الرأي العام بدوافع وأسباب مختلفة ويتم نقاشها من زوايا ضيقة تمثل توجهات فكرية وليس بالضرورة فهمها فهما شموليا عميقا والبحث عن حلول واقعية عملية منطقية! وفهم وتحديد المشكلة المجتمعية مطلب أساس في صنع القرارات والسياسات العامة فذلك أدعى أن يكون الحل مناسبا للمشكلة. ولكن يسيطر على نقاشاتنا لمعظم قضايانا الاجتماعية الأحكام المسبقة والنزعات العاطفية والتوجهات الفكرية والأجندات السياسية الخفية، فتكون سدا منيعا في رؤية الأمور على حقيقتها وإدراك حجم المشكلات ووضع الأمور في نصابها وفهمها في سياقها وتقدير حجمها الفعلي. في وضع هكذا يتعذر التعلم وفهم وتحليل الواقع بنظرة موضوعية حيادية وعادلة، لنبقى في المستوى ذاته من التنمية نراوح مكاننا ونصر على الاستمرار في دائرة النقاشات الهامشية التي تستهدف إثبات الذات وتخطئة الطرف المقابل وليس البحث عن حلول إبداعية لتخطي المشكلات! والنتيجة لا شيء، لا شيء إيجابيا على الإطلاق، بل المزيد من الصراعات الفكرية التي لا طائل من ورائها، ومناكفات شخصية مغرقة بالأنانية والانغلاق وحب الذات، وبذل الطاقات في غير محلها، والتفكير السلبي التشاؤمي، وتغليب المصالح الفردية على المصلحة الجماعية، وفقدان الرؤية المشتركة! وهذا لا شك يردينا كمجتمع في قاع سحيق من التخلف، ويغرقنا في وحل الخلافات، ويهدد كينونتنا، ويضعف فاعلية إدارة المجتمع. وجميع ذلك مرتبط بالواقع التنظيمي للإدارة الحكومية وبيئة وثقافة صناعة القرارات العامة وأسلوب تصميم السياسات وتحديد الأولويات في ادارة الاختلاف في المجتمع. وما نشهده في المجتمع من تحزبات وانغلاق فكري هو نتيجة حتمية لطبيعة صناعة القرار العام وأسلوب معالجة المشكلات الاجتماعية الذي يعتمد على التنظيمات البيروقراطية والمركزية الشديدة وغياب فاعلية المجالس النيابية. وهذا ربما كان أحد أهم العوامل التي تقف حجر عثرة في تحقيق تنمية وطنية حقيقية تنقل المجتمع إلى مستويات أعلى من التحضر الإنساني والتقدم الاقتصادي والتطور الصناعي.
ولأن موضوع قيادة المرأة للسيارة أخذ حيزا كبيرا من النقاش العام تباينت وتضاربت فيه الآراء بين مؤيد ومعارض بطريقة تطرفيه فإنه يصلح كمثال يعكس حالة التشنج الفكري التي تجتاح المجتمع وغياب الموضوعية في طرح القضايا العامة وتفويت المصلحة المشتركة. فالمؤيدون والمعارضون على حد سواء اتخذوا من هذا الموضوع وسيلة لتصفية الحسابات فيما بينهم ورمزية لحشد العموم وتوجيه الرأي العام وكسب تأييدهم للتخندق والاصطفاف الفكري. إنه من السماجة والتخلف أن يصل بنا الحال كمجتمع في أن نتناول قضايانا ــــ أيا كانت، وبأي مستوى، وعلى أي درجة من الأولوية ـــ بتفكير ضحل ونقاشات سطحية. ولذا ترى الطرفين من المؤيدين والمعارضين لقيادة المرأة للسيارة يتوقعون من الأغلبية الصامتة الهرولة خلفهم دون نقاش جاد ودون مبررات منطقية ودون سبر أغوار القضية والتعريف بالمنافع والمساوئ وكيفية زيادة الإيجابيات واغتنام الفرص والتغلب على التحديات وتجاوز العقبات.
يفترض ألا تختزل القضية بالقبول أو الرفض، وإنما التعرف على الظروف التي تشجع وتدفع نحو القيادة وتحقق الفائدة وتلك التي تعوق وتثبط وتجلب المفاسد. ولذا يكون الجواب على التساؤل الذي يطرح حول قيادة المرأة للسيارة من عدمه متعلقا بمستوى الأمان ووجود منظومة متكاملة من الإجراءات والسياسات التي تحفظ قائدات المركبات من التحرش بجميع أنواعه، والتعدي على حريتهن وحقهن الشخصي في المكان العام. وهذا هو جوهر القضية ومحل النقاش المتمثل في الإجابة عن التساؤل: كيف نستطيع كمجتمع أن نخلق ظروفا آمنة للمرأة في الأماكن العامة، بل في واقع الأمر لأي شخص سواء كان امرأة أو رجلا، شيخا كبيرا أو طفلا صغيرا. ولذا لا يفترض أن يكون السؤال "هل تؤيد قيادة المرأة للسيارة؟" وإنما "هل هناك ضمانات أمنية وبنى تحتية تشريعية ولوجستية تحمي قائدات المركبات وتسهل استخدامهن للطريق العام ومعالجة الحالات الطارئة؟" إن التفكير بالطريقة المعتادة يفوت الفرص في البحث عن بدائل أفضل لتنقل المرأة، على سبيل المثال الذين يعارضون قيادة المرأة للسيارة يرضون في الوقت ذاته أن تختلي بالسائق الأجنبي على ما فيه من محاذير وبلاء عظيم! ولو اقترح كمرحلة أولية لقيادة المرأة للسيارة جلب سائقات أجنبيات بدلا من السائقين الرجال، لثاروا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، ولبدأوا مسلسل الاتهامات في الخلق والتشكيك في الذمم. في المقابل نجد أن مؤيدي قيادة المرأة للسيارة يفرضون رأيهم بتهكم ويطالبون بالتطبيق دون روية وتحسب لما سيحدث ويصمون من يخالفهم الرأي بالتخلف والتزمت وعدم مسايرة العصر! وربما رفضوا مقترح جلب سائقات أجنبيات على أساس أن في ذلك عدم ثقة بالمرأة السعودية ويتعارض مع منحها حقوقها وخيار القيادة من عدمه! وبين الطرفين المتناقضين تراوح قضية قيادة المرأة مكانها لغياب الرؤية المشتركة والمصلحة العامة والنظرة الواقعية، ويكون الخاسر الأكبر المجتمع بجميع مكوناته. إن موضوع قيادة المرأة للسيارة هو قضية اجتماعية في المقام الأول ويجب أن تظل كذلك وبالتالي يلزم مناقشتها من هذا المنطلق حتى الوصول إلى توافق وقبول لخيار يحقق المنافع ويقلل المضار، ومن ثم يكون من الأجدر التركيز على الإطار التنظيمي والآليات ومراحل التنفيذ.
لقد حان الوقت للنظر لقضايانا من منظور المعايير المهنية والأحكام الموضوعية والمنفعة المجتمعية والكفاءة الاقتصادية والتوافق السياسي. وإن كان بمقدورنا في الماضى استخدام أسلوب المنع واحتواء ما يفرزه من تطرف يصل حد الانغلاق والتزمت والتحجر الفكري من جهة، والتحرر من القيم والانفلات الأخلاقي وتفشي الرياء الاجتماعي من جهة أخرى، فإنه لا يمكننا السير على النهج ذاته لأن التحديات والمتغيرات التي تعصف بنا تتطلب مواقف حازمة وحاسمة وحلولا جذرية وجريئة. لقد ذكرت في أكثر من مقال أن أفضل طريقة لإدارة التغير هو إحداث التغيير ابتداء. ولذا نحن مطالبون كمجتمع أن نعد العدة للقادم من الأيام التي تحمل في طياتها الكثير من المستجدات والتغيرات. لقد قاوم الناس الكثير من البرامج التنموية مثل تعليم المرأة لأنه لم يكن مستساغا في وقته، وكانت ثقافة المنع هي المسيطرة آنذاك بدافع درء المفسدة، ومع ذلك وجد الناس مع مرور الوقت أن تعليم المرأة فيه قوة للمجتمع وتحصين ثقافي وتربية أفضل للأبناء ومساهمة فاعلة في بناء المجتمع. بطبيعة الحال تم التحول نحو تعليم المرأة بأسلوب تدريجي وسياسات راعت قيم المجتمع وضمنت تحقيق المنافع ودرء المفاسد. من أجل ذلك فإن قيادة المرأة للسيارة.. ليست هي القضية، وإنما طريقة التفكير ونهج صناعة القرارات العامة وأسلوب الوصول إلى أوضاع اجتماعية تحقق المصلحة العامة بإدراك عميق ووعي كامل لتحديات الحاضر وتطلعات المستقبل!.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي