فلسفة لوبيز
في كثير من مباريات المنتخب السعودي خلال سنوات الخيبة القليلة الماضية، أزداد يقينا بأن مشكلة فريقنا الوطني نفسية أكثر منها فنية، ويتضح هذا أكثر في المباريات التي يتقدم فيها منتخبنا أولا.
تؤثر الحالة النفسية أيما تأثير في الإنسان السعودي عامة، ولا يستطيع الفصل بينها ومهنته، إلا قلة بلغت من الاحتراف أعلى الدرجات، وأعتقد أن ذلك تتسبب فيه عوامل تأثير تتعلق بالنشأة والتعليم والقانون والمؤثرات الاجتماعية الأخرى.
في كرة القدم السعودية، ينبري الساخرون للتباري في صنع النكات والطرائف تجاه الخاسر، وهو مسلك يتمكن من نفوس الخاسرين ويقيدها ويؤثر فيها، حتى ترتسم معه صورة نمطية في الذهن، تسيطر على القرارات والتفاعلات وجودة العمل، وتحتاج معه الإدارات الرياضية إلى جهد جهيد لكسر سياجه، والتحلل من قيوده، ولا يفعل ذلك إلا ذو لب حصيف وصاحب ثقة يستمد منها الآخرون الثقة والرغبة في الانتصار.
في عام 1994، أحضر نادي النصر، الفرنسي جان فرنانديز مدربا للفريق بعد موسم سبقه يصنف واحدا من اسوأ مواسم الفريق الأصفر، كانت الحالة النفسية فيه في أدنى درجاتها. عمد فرناديز آنذاك إلى اللعب بداية بطريقة دفاعية محكمة للغاية لا تسمح لذبابة بالمرور إلى مرمى النصر، فكانت أغلب مبارياته في كأس الاتحاد التي دشنت الموسم، تنتهي بهدف له أو تعادل سلبي، وهاج النصراويون يريدون أهدافا وانتصارات، رد فرنانديز: الفريق يعيش في حالة نفسية صعبة جدا بعد موسم كان فيه ضمن فرق المؤخرة، وتابع: حتى ننتشله من هذه الوضعية النفسية المتردية، يجب أن يكون هدفنا الأول هو عدم إصابة مرمانا، يجب ألا نخسر حتى لو أنهينا نصف الموسم بتعادلات سلبية. لم يكن الأمر مقنعا للمحبين العاطفيين، لكن فرنانديز مضى بالأصفر إلى نهائي كأس الاتحاد، وفي منتصف الدوري بدأ يكشف عن وجه هجومي رافق فلسفته الدفاعية في الوقت المناسب، ونجح في خطف لقب الدوري الممتاز. بعد المباراة النهائية قال فرنانديز: فزت بلقب الدوري بوصفة نفسية فنية.
.. أظن الحال في المنتخب السعودي تحتاج إلى فلسفة فرنانديز التدريبية، اللاعبون يشكون من هجوم متصاعد من الإعلام والرياضيين، والمثقفين، ومن كل ما يتصل به بصلة، كيف الخروج منها إلى آفاق رحبة؟
أعتقد أن ما يفعله الإسباني المغمور لوبيز هو عين الصواب، فالأهم في التصفيات الآسيوية الجارية هو ألا يخسر فريقنا الوطني أي مباراة، ويتصاعد مع ذلك مؤشر الحالة النفسية، حتى يستقر في درجاته الطبيعية، بعدها قد يكون الجو مناسبا للعمل براحة أكبر، ووسط أجواء تتقبل الهنّات الفنية من اللاعبين إن حدثت.
.. وحتى ينجح لوبيز في الوصول إلى ذلك الهدف، يحتاج إلى معرفة الإنسان السعودي جيدا، وتفهم تفاعلاته وردات فعله، وهو أمر لن يستوعبه وحده، بل بمساعدة رئيس اتحاد الكرة ومجلسه المنتخب.
مشكلة أخرى ستظل تلاحق الإسباني الخجول وهي ردود الفعل الغاضبة تجاه خياراته الفنية، وستستمر كذلك حتى لو تواصلت انتصاراته، وليس له أمامها، إلا حلين ليس فيهما نتيجة قاطعة، الأول ممارسة أعلى درجات الشفافية مع الإعلام والأنصار، ولن يسلم من الانتقادات أيضا لأن المتربصين لن يعدموا في كل مرة منفذا جديدا، والثاني، هو التأقلم مع هذه الأصوات والعمل بلا صوت وتعزيز الثقة بفريقه وخططه، ولن يسلم أيضا.