بزران

استقللت وصديقي مصعد العمارة، التي أقطنها بمانشستر في بريطانيا. كان يرافقنا في رحلتنا جاري الطبيب وزوجته. طوال رحلتنا القصيرة كان الطبيب يسحب مرآة مكياج زوجته ''كلاهما في العقد السابع'' ويعيدها إليها غير مرة ويبتسمان. لم يشكل وجودنا أي مشكلة لهما. ظلا يتمازحان حتى وصلا إلى طابقهما. فور أن اختفيا من المصعد التفت نحوي صاحبي معلقا على تصرفهما: ''بزران''، أي أطفال.
إننا نمارس وصاية على تصرفات وسلوكيات الآخرين. نوصم أي شخص يقوم بتصرف لا يروق لنا بالطفل أو المراهق أو الساذج أو التافه. نصرف أوقاتا كثيرة في حياتنا تعليقا وانتقادا وتهكما على ما يفعل غيرنا، غير مدركين أننا أحوج من غيرنا إلى هذه الأوقات التي ننفقها عليهم.
ننسى دائما أن ما يخالف ذائقتنا ورأينا وأفكارنا ربما يكون هو الصواب بينما نحن على خطأ. إن العادات والتقاليد والثقافات تتفاوت من منزل إلى آخر ومن شخص إلى آخر فكيف بشعوب تفصلنا عنها بحار ومحيطات.
تحولنا إلى أبراج مراقبة تطوف الأرجاء والعالم، تراقب وترصد وتستنكر.
إن من تسنى له العيش خارجا يعي أن أغلب شعوبهم تحترم حريات الآخرين وتصرفاتهم، تنشغل بأنفسها وليس بالآخرين مما جعلهم أكثر إنتاجية وتقدما. الحس الرقابي الذي يعيش في دواخلنا بتبذير تجاه الآخرين نشر الأقنعة والازدواجية في مجتمعاتنا. يرتدي كل منا عدة وجوه في اليوم تتناسب مع المكان أو الزمان.
هذا الأسلوب الأمني الممنهج الذي نمارسه في حياتنا دون أن نشعر جعلنا عملاء استخبارات نتوزع بسخاء في الشوارع والميادين وحتى الإنترنت.
إن من يتابع نشاطنا في شبكات التواصل الاجتماعي وقبلها المنتديات الإلكترونية سيجد تفشيا لحسابات جمة بأسماء مستعارة. بعض هذه الحسابات تقدم أعمالا جميلة، لكن تخشى من الأحكام القمعية التي تجرمهم وتتفهم وتقلل من شأنهم ما جعلها تهدر مدادها خلف أسماء وهمية درءا للهجوم المنتظر.
هذه الأجواء الرقابية حرمت الكثير من الكبار والصغار في مجتمعاتنا من إفشاء ما يحلو لهم. الجميع يراقب الجميع ما جعلنا نستهلك أنفسنا في المتابعة والتقصي بدلا من الإنتاج والإبداع.
نقذف أي شخص يمارس حياته بعفوية بأنه مراهق أو طفل، متناسين أن الطفولة لا تدخل أي شيء إلا زانته.
تقول مصممة شعار، محرك البحث الشهير، جوجل، البرازيلية، روث كيدار: ''فزت لأنني راهنت على الطفولة في تصميمي''. الأطفال في داخلنا يضفون حياة إلى حياتنا فلا تغتالوهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي