المهم هو العرض وليس وساوس السياسة المالية

المهم هو العرض وليس  وساوس السياسة المالية

يبدو أن القاعدة تنطبق بصورة شاملة – بل إنها حتى تؤثر في بعض المسؤولين في بنك إنجلترا، الذين يُفترَض أن يظلوا محايدين بصورة مقصودة بخصوص السياسة المالية العامة.
كانت هذا القاعدة ظاهرة بوضوح في الأسابيع الأخيرة، في الوقت الذي أظهر فيه الاقتصاد البريطاني قوة غير متوقعة. التوقعات الجديدة من صندوق النقد الدولي، الذي سيعقد اجتماعاته السنوية هذا الأسبوع في واشنطن، تقول إن الصندوق كان على حق في تحذيره حول مخاطر التخفيض السريع الزائد عن الحد لعجز الموازنة البريطانية، مع أنه ''فوجئ بسرور'' من قوة النمو في الطلب في القطاع الخاص. ولم يُرِد أوليفييه بلانشار، كبير الاقتصاديين في الصندوق، الاعتراف بأنه كان مخطئاً قبل ستة أشهر، حين ربط التقشف العام في بريطانيا بالطلب الضعيف في قطاعها الخاص.
من جانب آخر، يرى جورج أوزبورن، وزير المالية أن الانقلاب غير المتوقع في الحظوظ الاقتصادية، على أنه تأييد بأنه كان على حق في الشروع في برنامجه لتقليص العجز في 2010 والتمسك به. الحقيقة هي أنه كان سيقول إنه على حق بصرف النظر عما حدث للبيانات، في الفترة الانتقالية أو في المستقبل.
باستخدام نموذج ذكي في القياس الاقتصادي، يقول أوسكار خوردا وألان تايلور، من جامعة كاليفورينا في ديفيس، إنهما على يقين من أن الناتج البريطاني هو الآن أدنى بنسبة 3 في المائة على الأقل، مما كان يمكن أن تكون عليه الحال بدون التقشف. ويظلان واثقين من هذه النتيجة التي استُشهِد بها على نطاق واسع، على الرغم من أن البيانات البريطانية التي استُخدِمت للتوصل إلى هذا الرقم، بيانات مشكوك فيها.
نشر مكتب مسوؤلية الميزانية، وهو وحدة مستقلة تابعة للحكومة البريطانية تقريره أخيراً تحليلاً حول التوقعات الاقتصادية التي كانت مفرطة في تفاؤلها منذ 2010. لكن روبرت تشوت، رئيس مجلس إدارة المكتب لم يعثر على سبب لتغيير وجهة نظره بأن الاندماج في المالية العامة ''لا يبدو أنه أوضح تفسير'' للضعف الاقتصادي، مع أن التعديلات التي لا يستهان بها على البيانات اضطرته إلى تغيير حكايته الكامنة. يغلب على ظني أن نظرة مكتب الميزانية منطقية ومدفوعة بالبيانات، وليس بالموقف الأيديولوجي – لكن هذا خارج الموضوع.
الأمر المهم هو أن كل ما نرى من صرير الأسنان هو خارج الموضوع. الأرقام صغيرة. على سبيل المثال، دعونا للحظة نصدق تقديرات خوردا وتايلور. الناتج الآن هو أدنى بنسبة 18 في المائة عن الاتجاه العام السائد خلال الفترة 1997-2008، بالتالي فإن الأثر الذي توصل إليه هذان الأكاديميان يمثل سُدس الإجمالي.
هل تظل نسبة 3 في المائة مع ذلك غير كبيرة؟ لا. في حزيران (يونيو)، بِجَرَّة قلم من أحد الإحصائيين، تم تعديل النمو الرسمي المسجل بين بداية 2010 ومنتصف 2012 إلى الأعلى بنسبة 1 في المائة. هذا التعديل، وهناك تعديلات كثيرة أخرى في الطريق، كان كبيراً بمقدار ثلث النقص الظاهر المنسوب إلى التقشف، دون أن يتغير أي شيء آخر.
بالتالي ما هو التغير الكبير في الاقتصاد البريطاني منذ الأزمة؟ هذا واضح إلى حد كبير من التطورات في التوقعات المتعاقبة. خذ مثلاً آخر توقع ''قبل الأزمة'' من صندوق النقد الدولي في تشرين الأول (أكتوبر) 2008، وقارنه بتوقُّع هذا الأسبوع. قبل خمس سنوات، توقع الصندوق معدل نمو 12 في المائة في الفترة الممتدة حتى 2013؛ لكنه يعتقد الآن أن الأرجح هو حدوث تقلص بنسبة 1 في المائة خلال هذه الفترة. الناتج الآن أدنى بنسبة 12 في المائة من التوقعات. لكن الصندوق اختلط عليه الأمر في التضخم أيضاً. في ذلك الحين توقع أن تكون أسعار اليوم أعلى بنسبة 11 في المائة من أسعار 2008. والواقع أنها الآن أعلى بنسبة 16 في المائة. معنى ذلك أن تقديرات الصندوق كانت أقل بنسبة 43 في المائة، دون الارتفاعات الفعلية في الأسعار.
النمو المنخفض والتضخم المرتفع ليس مزيجاً شائعاً بين جميع البلدان المتقدمة، وليس مزيجاً يصرخ بأن غياب الطلب يعود إلى التقشف الحكومي. الأمر الذي يشير إليه هو أن خللاً ما أصاب عرض السلع والخدمات في بريطانيا.
أنا واثق من أن سياسة المالية العامة لم تكن مثالية، لكني لستُ متأكداً من أنه كان من الممكن أن تكون أفضل. لكن ما أعلمه فعلاً هو أن الجواب على: ''ما الذي حدث للعرض؟'' أهم بكثير بالنسبة للجميع في بريطانيا من السياسة المالية العامة.
حين نفهم جانب العرض بصورة أفضل، سيحدد هذا مقدار التقشف الإضافي الذي نحتاج إليه، حين يرجح أن ترتفع أسعار الفائدة، وما إذا كان اقتراض مبلغ 95 في المائة من قيمة البيت، بحسب برنامج المساعدة على الشراء، أمر يدل على الجنون ولا قيمة له. ما هو مقدار الضرر الدائم الذي سيصيب الدخول نتيجة للركود الاقتصادي؟ معظم الاقتصاديين في بريطانيا لم يفهموا القاعدة الذهبية على الوجه السليم. نحن لسنا بحاجة إلى أن نكون مهووسين بالسياسة المالية العامة. لكن يجدر بنا أن نكون قادرين على التمييز بين الكبير والصغير. تلك هي القضية، وهو ما لم نفلح في إدراكه.

الأكثر قراءة