نظام للإدارة المحلية .. جوهر الإصلاح الإداري

يبدو أن الدعوات المتكررة من الممارسين والأكاديميين والعموم لتطوير الإدارة المحلية لم تأخذ بعد أولوية وطنية على الرغم من أن الإدارة المحلية تمثل مفتاح الحل لكثير من المشكلات والتحديات التي تواجه الوطن. الحديث عن الإدارة المحلية ليس من باب الترف السياسي والإداري، وإنما ينبع من أن الفعل والنشاط والحدث الاجتماعي يقع داخل المجتمعات المحلية. الأمور لا تحدث إلا في مكان، والأحياء والمجاورات السكنية في المدن والمناطق هي المكان. وربما اتضح ذلك عندما نحاول الإجابة على تساؤلات بدهية من أجل تقرير تلك الحقيقة: أين يسكن الناس؟ أين يعمل الناس؟ أين يزدحم الناس؟ أين يتعلم الناس؟ من أين تخرج المشكلات؟ وأين يقع الحل؟ والأسئلة تطول شاملة جميع مناحي الحياة وهمومها وتحدياتها. ونظرة فاحصة للقضايا التي نعانيها على المستوى الوطني نجدها قد خرجت من رحم الأحياء السكنية وليس من أي مكان آخر! على سبيل المثال مشكلات المخدرات والإرهاب والتلوث والازدحام المروري ناهيك عن البطالة والفقر والعنوسة وغيرها الكثير، جميعها نمت وترعرعت داخل الأحياء، ولو قدِّر أن كان هناك هيئة محلية مسؤولة عن إدارة الشأن المحلي ورعاية مصالح مجتمعاتها لتم وأدها في مهدها. ولكن ومع الأسف تتم إدارة المدن والمناطق عبر قطاعات حكومية متعددة لتكون الحلول متجزئة لا تراعي طبيعة القضايا المحلية التي تتسم بدرجة عالية من التعقيد والتداخل، وبالتالي تتطلب حلولا بالسمة ذاتها من الشمولية والترابط والتداخل والتأكد من أنها تعكس الرأي العام المحلي. والحقيقة أن المشكلات المحلية تستلزم حلولا محلية، ولكن في واقع الحال معظم القرارات التي تخص الشأن المحلي سواء على المستوى المحلي أو المنطقة تتم صناعتها في الهيئات المركزية، حتى لا يكاد المسؤولون المحليون يملكون صلاحيات توجيه التنمية المحلية ولا رسم مستقبل المدن والمناطق والإعداد للتحديات وتحيُّن الفرص. هكذا يقف القياديون المحليون مكتوفي الأيدي حيال ما يجري حولهم دون حول ولا قوة يمارسون أعمالا روتينية ورقية لا تسمن ولا تغني من جوع. ومع ذلك يُحملون مسؤولية ما يجري في مناطقهم ومحافظاتهم وبلداتهم. هذا الوضع يجعل أولئك القياديين المحليين في وضع حرج تماما كما حدث ويحدث لأعضاء المجالس البلدية الذين كان يتوقع منهم أكثر مما يسمح به نظام البلديات الذي مضى على صدوره ما يقارب أربعة عقود! وبدا واضحا أن تلك المجالس بحكم ضيق دائرة صلاحياتها وأدوارها واختزالها في توفير الخدمات البلدية التقليدية لم ولن تستطيع أن تكون فاعلة ومؤثرة في إدارة المدن السعودية إدارة شاملة. ومن العجب أو من الخطأ تسميتها بالمجالس البلدية لأنه لا يعكس حقيقتها ووظيفتها وحجم مهامها فهي ليست لإدارة البلدة "المدينة بجميع قطاعاتها"، وإنما تختزل في المعاونة في إدارة جهاز البلدية. ولذا فهي في حقيقة الأمر لجنة استشارية لرئيس البلدية، وليس كما يذكر أنها تتمتع بسلطة الرقابة، وإلا كيف تراقب أداء رئيس البلدية وهو يترأسها أو يكون عضوا فيها؟!.
ما يجب أن يدركه المسؤولون عن عملية الإصلاح الإداري أن المجتمعات المحلية أصبحت أكثر نضجا سياسيا واقتصاديا وثقافيا وتتطلب إدارة ذاتية تتناسب مع نضجها، كما أن التحديات التي تواجه الوطن باتت أكبر وأكثر مما تستطيعه الهيئات المركزية التي يفترض أن تتفرغ للقضايا الوطنية التي يطول تأثيرها جميع التراب الوطني وترك المشكلات المحلية محدودة التأثير في نطاقها المكاني المحلي تُعالج من قبل سكان المناطق والمدن. أنه من العيب الإداري والقصور التنموي أن يعطل الفعل والنشاط الاجتماعي والقدرات الإبداعية والمبادرات الفردية والجماعية في المجتمعات المحلية. ولا يصح خاصة في ظل التحديات التي تحدق بنا أن تهمش المجتمعات المحلية وتدفع لتكون اتكالية انسحابية سلبية تجاه الأحداث المحلية لا تقوى على تحريك مواردها الذاتية ولا تطوير اقتصادها المحلي بما يحقق مصالح السكان المحليين وتطلعاتهم. لم يعد كافيا توفير خدمات عامة مجزأة من قبل القطاعات الحكومية المركزية المختلفة، وإنما لا بد من توفيرها وفق أولويات المجتمعات المحلية وبما يحقق أهدافها الاستراتيجية. لكن كيف السبيل إلى ذلك وليس هناك نظام للإدارة المحلية يمكِّنها من وضع استراتيجية، فضلا عن أن يكون بمقدورها تنفيذها!. هناك أمر آخر على درجة عالية من الأهمية وهو الازدواجية وتعدد مرجعيات الموظفين المحليين، فبينما نظاميا يتبعون وزاراتهم المركزية، يجدون أنفسهم واقعيا وعمليا مضطرين للاستجابة لتوجيهات المسؤولين المحليين دون مسوغ نظامي وخارج إطار العلاقة الرسمية المقننة، ما يجعلهم في وضع إداري مشوش وغامض ومحرج لا يحسدون عليه. هذا الوضع الإداري الذي يتسم بالمركزية الشديدة والاعتماد الكبير على التنظيمات البيروقراطية في عملية صنع القرار العام يقلل من تأثير الإنفاق الحكومي السخي في التنمية المحلية ويحول دون استفادة المواطنين والمساهمة في رفع مستوى معيشتهم وجودة الحياة. وهذا نتيجة حتمية لعدم تمتع الهيئات المحلية بالاستقلال الإداري والمالي وعدم منحها صلاحيات تمكنها من توجيه الأجهزة التنفيذية المحلية. وهكذا تفتقد الهيئات المحلية أهم خصائصها وهو الاقتراب من المواطن وتلبية احتياجاته المعيشية اليومية. وبسبب ضعف صلاحيات الهيئات المحلية الإدارية والمالية لا يتم ربط المخصصات المالية بأهداف ومصالح واحتياجات المجتمعات المحلية، وإنما يبنى ذلك على أساس قرارات بيروقراطية مركزية محضة! وهكذا يتم تفويت الفرصة ليس فقط بتقديم خدمات مطلوبة من قبل المجتمعات المحلية كما ونوعا وجودة، ولكن أيضا إعادة توزيع الدخل وإنعاش الاقتصاديات المحلية.
لا بد من إعادة النظر في استراتيجيات الإصلاح الإداري والتحول من التركيز على تطوير التنظيمات الداخلية للأجهزة الحكومية وتحسين إجراءاتها البيروقراطية دون إعادة النظر في العلاقة بين الأجهزة التنفيذية والمجالس النيابية ومنح الأخيرة صلاحيات التوجيه والرقابة والمساءلة والمحاسبة. من جهة أخرى، لابد من التمييز بين القرارات المركزية والمناطقية والمحلية ومنح مجالس المناطق والمحلية والبلدية صلاحيات تتناسب مع مسؤولياتها الجسام وحجم التحديات التي تواجهها والأدوار التي يفترض أن تقوم بها. هذا لا يتأتى إلا من خلال استصدار نظام للإدارة المحلية ينظم العلاقة بين الهيئات المحلية والمركزية ويحقق الإصلاح الإداري جوهريا وليس شكليا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي