رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من قصص العشاق (2) حب بالكهرباء..

في القرية الريفية الوديعة الهادئة, التابعة لمحافظة الطائف, تتوزع عائلة بكل تفرعاتها العليا والدنيا على مساحات الأرض منها, يتشاركون كل شيء, الهواء والماء, والحب والكره, والغذاء. وحتى القراءة, فصحيفة ما, تصل إلى القرية عبر سائق شاحنة البنزين, ينتهي النهار وقد خلصت من دورتها على كل بيوت القرية, وتستقر أخيرا في المخبز الذي يعيد تدويرها من صحيفة إلى ورق يلف به الرغيف ويبيعه للسكان.
الناس هناك بسطاء إلى درجة يمكن معها قراءة ما في قلوبهم من قسمات وجوههم مباشرة, يعتمدون على بعضهم في كل شيء, ويتوارثون كل شيء, ومن شذَّ سقط في هوة سحيقة, لا ينجو منها أحد في الغالب, المجموعة كلها تسير على منهج واحد, لا انفصام له ولا عنه. التوريث يسير في دماء رجال ونساء القرية كالعقيدة في الجيوش, بناتهم لأولادهم, أعداؤهم هم أعداء أحفادهم, وأحفاد الأحفاد, أصدقاؤهم كذلك, فطورهم يحوي الأصناف نفسها, سياراتهم لا تُفرّق بينها إلا بأرقام اللوحات, كلهم يحبون الشيء نفسه, ويكرهون الأشياء نفسها, ينامون في وقت واحد, ويصحون في وقت واحد, ومن تسول له نفسه كسر المواعيد فعليه أن يبادر بتقديم عذر مقنع, وإلا وقع فريسة أمام نظرات الازدراء الحارقة في المجلس الكبير بعد صلاة الضحى عند شيخ العائلة وكبيرها.
ولأن الأمر كذلك, سار أبناء القرية على ثقافة التوريث ذاتها, شبوا كلهم يشجعون فريقا واحدا, يجتمعون في مجلس الشباب لمشاهدة مبارياته, وحدهم أبناء معلم المدرسة القادم من جدة, يشجعون المنافس المباشر للفريق المشترك في القرية.
مشعل وأخوه سعود, أبناء الرجل الأكثر ثروة في القرية, والأقل وجودا على أرضها نسبة إلى سفراته المتعددة لملاحقة نشاطاته التجارية, وهو الأكثر مساهمة في النشاطات الجمعية في القرية, وأهمها تكفله بماكينة الكهرباء التي تزود كل بيوت القرية بالضوء ليلا, والتبريد نهارا.
ابناه الوحيدان اللذان يملكان جهاز ألعاب إلكترونية يسمى آنذاك "أتاري" ولذلك لم تجذبهما متابعة كرة القدم ولم يسكنهما حب الفريق الموحد للقرية, تبعا لوسائل الترفيه الأخرى المتوافرة لديهما.
يقضي الأخوان مساءهما قبل النوم, في ممارسة لعبتهما الإلكترونية, وأسوأ ما يواجهانه عندما يتم فصل الكهرباء عن كامل القرية, لأن أنصار الفريق المحبوب غاضبون بعد خسارة فريقهم ولا يحتملون مشاهدة احتفالات الخصم على شاشة التلفاز.
ونكاية بأبناء معلم القرية, الذين يعتبرون دخلاء على الأرض والثقافة والتاريخ والمستقبل المشترك, فكان القرار أن تنام القرية بلا ضجيج تتشارك الحزن على الفريق الكبير, ولا يعدم الأنصار الخاسرون الحيلة في اليوم التالي أمام كبار العائلة, فمرة ماكينة الكهرباء سخنت, مرة أخرى انتهى الديزل, كلب الحراسة قرط سلك الكهرباء الرئيسي ولم يمت, والكبار يصدقون بالطبع, فلا يوجد في سلالة العائلة وسكان القرية أحد يكذب كما يقول التاريخ المتوارث أبا عن جد.
المتضرر الدائم من خسارة الفريق محبوب الجميع, كان سعود ومشعل, والاثنان الأكثر نصيبا في ماكينة كهرباء القرية, إذا ما اعتمدنا على منهج التوريث المفعل هناك, رُفع الأمر للأب الثري المؤثر, وافتضح أمر المشجعين المتعصبين, وعرف الكبار والصغار لماذا تُقطع الكهرباء ليالي المباريات فقط, وهنا بدأ فصل جديد في علاقة سعود ومشعل بالآخرين من أقرانهما, وصُنفا عدوين شقَّا صف العائلة ونصرا الدخلاء عليهم, توترت العلاقات جدا, بحث الأخوان عن ما يزيد في غيظ وحنق أندادهم, وكانت الفكرة من الرجل السوداني الذي يحضر البنزين إلى القرية: لماذا لا تشجعان الاتحاد, كبير جدة وعظيمها. سألاه: لماذا؟ أجاب: لأنه الوحيد الذي لا يفوز فريق أهالي القرية أمامه, ودائما تنام قريتكم بهدوء في لياليه المقمرة بمجده.
بدأ سعود ومشعل في متابعة الاتحاد نكاية بالبقية أولا, وتحول الأمر إلى عشق يسكن قلبيهما حتى اللحظة, يتذكر مشعل ما حدث ويقول لي وهو يضحك: أحببنا الاتحاد فعلا, وصدقا, ولم أعرف أن الأمر سيتحول إلى اضطهادي وشقيقي من شباب قريتنا, ويكمل ضاحكا: لم تتوقف حيل أنصار الفريق الآخر في فصل الكهرباء عن القرية إذا انتصر الاتحاد, لكن انتصارات معشوقي الأصفر كانت تضيء كل الليالي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي