العمل أو الصمت..؟
هل يمكن أن تتوقف الاحتجاجات والانتقادات تجاه التحكيم في الدوري السعودي؟ الوقائع تقول: لا، وهذا مطلب عسير المنال. هل كل الانتقادات منطقية؟ الوقائع والمعطيات تقول: لا. بل كل يدعي وصلا بليلى.
.. تتعالى الانتقادات تجاه التحكيم لأسباب عدة، أولها أن الأندية الخاسرة تبحث أحيانا عن مبرر للخسارة خارج منظومتها، في محاولة لتبرئة نفسها أمام أنصار النادي، وهذه ثقافة قديمة في كرة القدم العالمية، تنتج عن الحرقة التي تخلفها الخسارة، ثاني الأسباب أن هناك أخطاء حقيقية وقع فيها الحكم بتعمد أو دونه، أحدثت هذه الجلبة الهائلة التي تعقب المباريات، ثالثها أن هناك نقصا معرفيا لدى بعض المتابعين في مواد القانون، يعتقدون مع وجوده أن خطأ ما، وقع، في الوقت الذي لا يعرفون أنهم يعانون نقصا في فهم أو قراءة القانون. رابع الأسباب. أن بعض مسؤولي الأندية ومن سار في ركابهم من الإعلاميين والجماهير، يحاولون صنع ''قبة من الحبة'' حتى يستفيدوا من المنشأة ''القبة'' في وقت لا يجدون إلا ''الحبة'' عملا بالمثل الشعبي: ''اللي لي عند الناس قبة، واللي للناس عندي حبة''، ولذلك يحاولون تكبير الصغائر، حتى إن وقعت الكبائر قالوا ألم نكن لكم من الناصحين.
.. أما السبب الأول، فلا يملك الاتحاد السعودي لكرة القدم ولجنة الحكام أمامه، إلا الدعاء بالهداية لمن يكيل لهم التهم جزافا حتى يبرئ نفسه، وأنصح اتحاد الكرة أن يصيب لجنة الانضباط بشيء من دعائه، وأن يرزقها الله القوة ويزرع في أعضائها الشجاعة على تفعيل مواد القانون.
.. وأما السبب الثاني، فليس لاتحاد الكرة معه، إلا الصبر على البلاء، ما دام أنه اختار أضعف الإيمان في إنكاره، ولم يغيره بيده ولا لسانه ولا عقله، واختار قلبه، والقلب مضغة تقاد ولا تقود، يتنازعها الكره والحب، إن غلب أحدهما الآخر وقع في أسره، فإن أحبت اتبعت، وإن كرهت أدبرت. والقلب مركز العاطفة، والعاطفة تلبس الحقيقة ألوانا ليست لها، وتخلع عنها جلدها، ومن أخضع أحكامه للعاطفة خاب وضل وخسر.
ثالث الأسباب، يحتاج إلى توعية وتثقيف، يمنع الجاهل من الفُتيا، والأجهلين من ترديد جهله، وخير مثال على ذلك سقوط مرعي العواجي في مباراة الأهلي والهلال الأخيرة، وكيف تم استغلال المشهد للتندر بينما الحكم لم يفعل إلا ما نص عليه القانون، نصا لا يحتمل التأويل والتقدير. وهؤلاء المفتون بلا علم، يفترض احتواؤهم وتوجيههم إلى الهدى، قبل تقريعهم.
رابع الأسباب الأربعة، توجده فئة داؤها مستفحل، وبلاؤها منتشر، أحمقها قائد، وعاقلها صامت راض، مجابهتهم تحتاج إلى جهد جهيد وقائد حقيق، يستتيب أتباعهم، ويدلهم على الهدى.
بعد كل ما مضى، لا تستطيع أن تطالب بالعقاب قبل الخطى نحو الإصلاح، ولا يمكن أن نطلب من مسؤول النادي الصمت، والحكم يخطئ خطأ يفجر الصمت، ماذا نفعل؟ إما أن يصلح الحكم، وهذا يحتاج إلى خطوات من العمل، وإما أن نسكت أمام كل هذه الجلبة، فالصراخ على قدر الألم غالبا وليس دائما.