رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


المراحل التي قطعها الاقتصاد السعودي لبلوغ اقتصاد المعرفة

أطلقت وزارة التعليم العالي مشكورة العديد من المبادرات لقيام الجامعات بأدوارها في بناء اقتصاد المعرفة، ولكن التحول من اقتصاد تقليدي إلى الاقتصاد الرقمي، يحتاج إلى استراتيجيات شاملة تتناول كل مناحي النشاط الاقتصاد الوطني ليكون التحويل إلى اقتصاد المعرفة مخططاً، وتكون له أهداف واضحة.
إن المشاريع الرامية إلى تحويل الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد معرفي ما زالت مشاريع تنطلق من جزر منعزلة عن بعضها بعضا، وهي لذلك في أمس الحاجة إلى رزمة من الأعمال الاستراتيجية الرامية إلى الوصول إلى أهداف محددة تنتهي في النهاية إلى الوصول إلى محطات متناغمة لاقتصاد المعرفة.
وفي هذا الاتجاه يجب أن تتناول خطة التنمية العاشرة مسارات واضحة تتجه بالاقتصاد الوطني نحو المعرفة الجديدة التي باتت خياراً استراتيجياً وحتمياً تأخذ به كل دول العالم، وبالذات العالم المتقدم.
ونحن نتابع قواعد الاقتصاد الدولي نلاحظ أن الاقتصاد الدولي يشهد اليوم تغيراً عميقاً في هياكله وأنشطته، حيث إن اقتصاد العصر الصناعي تراجع بوتائر متسارعة لصالح الاقتصاد الرقمي Digital economy. ومن الكتب المميزة التي صدرت في مجال الاقتصاد المعرفي كتاب التسويق في عصر الإنترنت والاقتصاد الرقمي للأستاذ بشير العلاق، واستعرض العلاق كل مجالات الاقتصاد الرقمي بأسلوب الخبير المتمكن.
ومثلما أحدث التحول من العهد الزراعي إلى العصر الصناعي تغيرات جوهرية في أساليب تنظيم وإدارة النشاط الاقتصادي، فإن التحول إلى اقتصاد المعرفة كفيل بتغيير وتحقيق آمال جديدة، وعلى الجامعات ومؤسسات الأعمال أن تستوعبا دروس الاقتصاد الرقمي، حيث إن عصر الإنترنت خلق فرصا تجارية جديدة لن يكون اقتناصها سهلا إلا إذا توافر لمنشآت الأعمال فكر خلاق وإدارة مبدعة تؤمن بالتغيير وتتبنى مستجداته واستحقاقاته.
ويميز الأستاذ العلاق بين الاقتصاد التقليدي واقتصاد المعرفة فيقول: إن اقتصاد المعرفة هو فرع من الاقتصاد العام يتعلق بجميع الأنشطة والعمليات الخاصة بصنع وإنتاج وتسويق وتوظيف وتشغيل واستهلاك وإعادة إنتاج المعلومات والمعرفة، ويشمل طيفاً واسعاً من الصناعات والأنشطة منها صناعات البرمجيات والإلكترونيات والاتصالات ونظم المعلومات وخدمات المعلومات، كما يضم أيضا الأنشطة التي لها علاقة بالمحتوى مثل مراكز الأبحاث ومؤسسات الفكر والمكاتب الاستشارية ومكاتب دراسات الجدوى ومراكز اللغات والترجمة ودور النشر والصحف ووكالات الأنباء والإذاعة والتلفزيون، إضافة إلى الأنشطة ذات العلاقة بالجوانب الطبية والبحوث البيولوجية والدوائية، وفي الوقت ذاته أصبحت الملكية الفكرية هي محور اقتصاد المعرفة.
وفي الاقتصاد التقليدي تزداد قيمة المنتجات مع الندرة وقلة العرض، في حين يحدث العكس في اقتصاد المعرفة، حيث تزداد قيمة المنتج المعرفي كلما شاع وأصبح متوافراً.
وإذا كان اقتصاد عصر الصناعة قائما على تطور الإنتاج من الصفر، فإن اقتصاد عصر المعلومات قائم على تطور إعادة الإنتاج وتكرار الإنتاج بالنسخ دون ما حاجة إلى التصنيع من الصفر، فكل ما ينتجه مجتمع المعلومات من نصوص وبرامج قابل للنسخ وإعادة الإنتاج، أكثر من هذا يمكن أيضا إعادة إنتاج الخبرات، بل إعادة إنتاج الخبراء أنفسهم، عن طريق النظم الجديدة، أما على مستوى الاستهلاك فقد قلب اقتصاد المعرفة العلاقة بين الموارد واستهلاكها ــــ رأسا على عقب ــــ فبينما تنضب الموارد المادية مع استهلاكها، تنمو الموارد المعرفية كلما زاد معدل استهلاكها.
وفي الواقع نلاحظ أن الإنترنت بأنشطته المختلفة أصبح يتغلغل في كل مكونات اقتصاد المعرفة، ففي مجال الأجهزة والمعدات أصبح للإنترنت نصيب وافر في الحاسبات المكتبية والمحمولة ومعدات الشبكات والحاسبات الخادمة، والبرمجيات لها نصيب وافر جداً في أدوات تطوير المواقع والخدمات الإلكترونية المختلفة، كما يلعب الإنترنت دور الحاضنة الكبرى للمحتوى المعلوماتي بمختلف أفرعه وأكبر أوعية تداوله ونشره واستخدامه، وكذلك الحال في مجال الموارد البشرية والتدريب، بمعنى إن الإنترنت يتغلغل في اقتصاد المعرفة كما تتغلغل الشعيرات العصبية في أجزاء الجسم المختلفة، وتلعب دور الجهاز العصبي الرقمي لهذا الاقتصاد وتمنحه القدرة على تداول المعلومات بسرعة وسلاسة وكفاءة، إضافة إلى ذلك فإن الإنترنت يضمن توافر معلومات ذات قيمة حقيقية بسرعة كبيرة في الوقت المناسب، مما يسهل اتخاذ قرارات سريعة سليمة ذات تأثير في مختلف مراحل الأداء الاقتصادي، بدءاً بالتخطيط المبكر للنشاط الاقتصادي وانتهاء بالانتصار على الخصم في سوق المنافسة.
إن القرن الحادي والعشرين هو بحق عصر اقتصاد المعرفة أو الاقتصاد الرقمي أو اقتصاد تكنولوجيا المعلومات، باعتبار إن ثورة تكنولوجيا المعلومات حفزت مؤسسات الأعمال على انتهاج برامج تعتبر من أهم عوامل تكوين الثروة.
لقد صار بالإمكان تكوين وجمع وتخزين ومعالجة وتوزيع المعلومات على نطاق واسع بتكلفة منخفضة لم يشهد لها التاريخ مثيلا من قبل، فالعصر الصناعي كان عصر ديكتاتورية المعلومات، لأن المعلومات كانت حكرا على الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، بينما حرمت الشركات الصغيرة والعملاء الصغار من فرصة الانتفاع من المعلومات.
ولذلك فإن الثورة الرقمية قد بدأت فعلا في تفكيك النظام القديم واستبداله بنظام جديد يبحر في كل أرجاء المعمورة، ويتيح لكل فرد فرصة الارتباط بأي فرد آخر في أي بقعة من بقاع العالم، حيث أصبح من السهولة بمكان اليوم الاتصال إلكترونيا بين منشآت الأعمال ـــ في كل أنحاء العالم ــــ لأغراض اقتصادية كإبرام الصفقات وتبادل المعلومات والبيانات التي كانت لسنوات طويلة تصنف على أنها ''سرية للغاية''.
والواقع إن هذا النوع من الانفجار والتوسع في الحصول على المعلومات ما كان ليحصل لولا اكتشاف الإنترنت وتنامي استخداماته وتطبيقاته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي