التمويل الإسلامي وبناء الإطار المعرفي
التمويل الإسلامي أصبح يتوسع اليوم بصورة غير مسبوقة، وما يميز نموه اليوم مجموعة من العناصر التي يمكن أن تؤسس لعمل مبني على أسس علمية تساعد في بناء أساس معرفي لا يقتصر على الجانب الشرعي فقط، بل تتجاوزه إلى الجوانب الفنية والقانونية والتشريعية، حيث أصبحت العناية بهذا العلم تأخذ بعداً عالمياً كفلسفة مختلفة عن الإطار السائد في الأنظمة المالية العالمية.
ليس التمويل الإسلامي فقط هو الذي يجد فرصة للانتشار على المستوى العالمي، بل إن بعض الاستثمارات أصبحت تتوجه اليوم إلى ما يسمى بالاستثمارات الأخلاقية التي تتجنب الاستثمار في مجموعة من الشركات مثل شركات الخمور والتبغ والقمار وأنواع أخرى من الاستثمارات بناء على معايير أخلاقية قد تتقاطع في جزء كبير منها مع معايير الاستثمارات الإسلامية، وأصبحت بعض هذه الصناديق تلقى رواجا في دول أوروبا.
انعقدت ورشة العمل الثانية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الفترة بين 11و12 ذو القعدة 1434هـ، الموافق 17-18 أيلول (سبتمبر) وكانت بعنوان ''التنمية والاستدامة في صناعة التمويل الإسلامي''، وتناولت في ورش العمل مجموعة من القضايا التي تتعلق بالبحث العلمي، وبناء خريطة له في مجال التمويل الإسلامي، إضافة إلى بناء البرامج الأكاديمية بمعايير أكاديمية عالمية، وبناء القدرات من الممارسين والباحثين في مجال التمويل الإسلامي، وكانت ورشة العمل تهدف إلى الخروج بأفكار تكون أساساً لوضع إطار علمي ومعرفي للتمويل الإسلامي، إذ أن الواقع لعمل كثير من المؤسسات والنمو الذي تحققه في الأصول لا يتزامن مع الإثراء للإطار المعرفي للتمويل الإسلامي، فالبحوث والكتابات في مجال التمويل الإسلامي، وإن كانت كثيرة ومتنوعة، إلا أنها تفتقد في كثير منها أمورا منها الجودة والأثر، إذ إن كثيراً من الأبحاث العلمية في هذا المجال لا تجد مساحة مناسبة في المجلات العلمية المرموقة، كما أن أغلبية المجلات العلمية في مجال التمويل الإسلامي غير مصنفة ضمن مجموعات المجلات العلمية المصنفة عالميا في مثلThe Institute for Scientific Information ISI، وهذا بسبب نوع من ضعف الأساس العلمي المتكامل للتمويل الإسلامي، وإن كانت في إطارها التشريعي خدمها الفقهاء بشكل كبير على مدى 14 قرناً، ولكن جانب الدراسة المالية المتوافقة مع الشريعة في إطارها المعاصر لم تحظ بقدر كافٍ من الدراسات العلمية الجيدة.
قد يكون أحد الأسباب أن طابع البحوث العلمية أخذ جانب الفردية في العمل وليس من خلال عمل المجموعات، وهذا لا يتناسب مع حالة التمويل الإسلامي الذي لم يكتمل فيه البناء العلمي، إذ إن معظم المهتمين به لديهم خلفيات علمية مختلفة بين الشريعة أو المالية أو الاقتصاد أو المحاسبة أو القانون، والعمل الفردي في مثل هذه المشاريع البحثية سيكون في غالبه لا يقدم دراسة وافية، إذ إن القصور في جانب سيضعف من أثر البحث أو الدراسة، بل إن ضعف قدرات الباحثين في جوانب مثل الشريعة على سبيل المثال جعل منهم من يقدم دراسة قد تكون غير مؤثرة، لأنها بنيت على أساس مختلف فيه أو غير معمول به فقهياً، وكذا الأمر إذا ما قدمت دراسة شرعية لكن لا تتناسب مع المعايير المعاصرة للمعاملات المالية. ومن هنا تأتي أهمية عمل المجموعات في هذه الرحلة لتأسيس إطار علمي وصورة متكاملة للتمويل الإسلامي، إذ إن افتقار المجتمع الإسلامي للعالم الموسوعي كما هو الحال في قرون مضت، إضافة إلى التعقيد الذي يشوب كثيراً من المعاملات المعاصرة يجعل من الأهمية بمكان أن يكون العمل في هذا المجال من خلال مجموعات، وهذا أمر سائد في كثير من العلوم حتى في التخصص الواحد، فكثير من الأوراق العلمية الجيدة تجد أنها نتاج لعمل مجموعة من العلماء في التخصص، والمهم في النشر العلمي هو الجودة والأثر وليس العدد، ولذلك نجد أن القليل من الأوراق العلمية التي وجدت طريقها للتأثير في نشاط وعمل المؤسسات المالية الإسلامية، والتي ما زالت اليوم لا تستطيع الانفكاك عن العمل في إطار ومنظومة المؤسسات المالية التقليدية، وهذا قد يهدد استدامة عمل المؤسسات المالية الإسلامية وقدرتها على الاستقلال عن المؤسسات المالية التقليدية.
فالخلاصة أن الإطار المعرفي للتمويل الإسلامي يحتاج اليوم إلى جهد كبير وعمل مشترك والتركيز على الأعمال والأنشطة الجماعية التي تزيد من جودة المخرجات، وتؤثر في نشاط المؤسسات المالية الإسلامية على مستوى التطبيق.