رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الهيئة .. لها أكثر مما عليها

المنظمات الحكومية صناعة مجتمعية 100 في المائة، يشترك في تكوينها جميع فئات المجتمع تنظيما وإدارة وإنتاجا، وهي بذلك تعكس قيم وتوجهات وثقافة ورؤى المجتمع. والهدف من إنشائها هو تفعيل العمل الجماعي وتحقيق المصلحة العامة، وتتطلب أن يتنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم الشخصية من أجل السلطة العامة لضبط المجتمع وضمان أمنهم وحمايتهم وحفظ دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم. فالأفراد بطبيعتهم واحتياجاتهم الغريزية يغلب عليهم الأنانية، ويسيطر عليهم حب الذات، ما يدفع بعضهم في بعض الأحيان إلى التعدي على الآخرين وسلب حقوقهم. وهذا الغياب للعقلانية والتفكير السوي والسلوك الرشيد يستلزم بالضرورة سلطة عامة تصون الحقوق بقوة القانون، وتجبر الناس على اتباع النظام وتلزمهم حدودهم. ولو كان جميع الناس رشيدين لا يتجاوزون على حقوق الغير لما كان هناك ضرورة لسلطة عامة! وما يحدث في دول الجوار من اختلال أمني نتيجة غياب مؤسسات الدولة دليل واضح على أهمية السلطة العامة في الحفاظ على حقوق وحريات الناس، حتى إن بدت في ظاهرها تسلطية تجبر وتكره الناس على الانضباط واتباع النظام. وهو ما لا يفهمه البعض، خاصة أولئك، الذين يفكرون في مساحة ضيقة الأفق وفي دائرة المنفعة الخاصة. ولذا كان من الجهل والسذاجة أن يرفض أو يعارض أي أحد السلطة الجماعية فقط، لأنها تحد من حريته الشخصية، فتحقيق الحرية الشخصية لا يكون من خلال تحقيق الحرية الجماعية والانضباط العام وبحماية من السلطة العامة! فالمهمة الأساسية للسلطة العامة هو ردع الخارجين على القانون من الإفساد وتعدي شرهم لغيرهم. هذا الوجه التسلطي يجعل الكثيرين يأخذون موقفا سلبيا تجاه المؤسسات الحكومية ويتلبسهم شعور بالظلم والقهر وحرمانهم من الحرية ''المنفلتة''! وربما كان ذلك السبب الجوهري وراء الحماقات والتصرفات الغريبة التي يقوم بها بعض الشباب في الأماكن العامة بحثا عن الحرية المنفلتة وإثباتا للذات وإظهارا لحالة العداء والثورة ضد القيود النظامية والاجتماعية. عدم النضج ورؤية الأمور على حقيقتها يفقد هؤلاء الشباب النظرة العميقة والشمولية ويقودهم للاستخفاف بالأنظمة العامة. قد يكون هناك أسباب اقتصادية واجتماعية ساهمت في إحباط الشباب واحتقانهم وجعلهم يخرجون عن الانتظام الاجتماعي. لكن ليس جميع هذه الحالات الشاذة تفكيرا وسلوكا تعاني نقصا ماديا، بل إن الكثيرين منهم ينتمون إلى أسر ميسورة الحال. ولو كانت التصرفات الشاذة تخصهم وحدهم ولا تؤذي غيرهم لكان تأثيرها على المجتمع أقل وطأة، إلا أن يصل بهم الحال إلى التعدي على أعراض وأموال الناس، فهذا ما لا يمكن قبوله ولا السكوت عنه.
لقد تكونت لدى الشباب ثقافة اللامبالاة والاتكالية لأسباب عدة أهمها الطفرة الاقتصادية والثراء السريع وما أفرزته من تفاوت طبقي ومباهاة وتنافس على لفت الأنظار وقصور في التربية وتدني مستوى التعليم والعلاقات المشبوهة بين الجنسين والقائمة تطول. هذه ظواهر سلبية مخيفة تهدد الأمن والسلم الاجتماعي، ولا بد من معالجتها والتصدي لها بقوة وحزم وجرأة وإيقاف هذا العبث عند حده. والإحصاءات تشير إلى تنامي جرائم الابتزاز والتعدي على الأعراض بمعدلات عالية ما يندى له الجبين، خاصة في مجتمع يفترض أنه متدين ومحافظ. وهنا تظهر أهمية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كجهة حكومية تسهم إن لم يكن في وقف هذه التعديات فعلى أقل تقدير التقليل منها. لكن ما يجب التأكيد عليه هنا هو أن الهيئة سلطة عامة وينطبق عليها ما ينطبق على المؤسسات الحكومية في أن دورها يقتضي نظاما دعوة وحث الناس على التزام السلوك السوي وبما يتفق مع الأنظمة والذوق العام وردعهم عن التصرفات المخلة بالآداب العامة والفساد بشتى أنواعه. وقد يكون قدر الهيئة من بين جميع الجهات الحكومية أن يتداخل عملها بشكل مباشر وفي الأماكن العامة وعلى مدار الساعة مع جمهور المواطنين وأن تكون طبيعة الخدمات التي تقدمها التدخل في تعديل السلوكيات الشخصية النشاز، ما يجعلها عرضة للانتقاد والنظرة السلبية ممن يرون أن ذلك تجاوز على حريتهم الشخصية! أو أولئك الذين يتلبسهم شعور الزهو بالنفس والكبر فيرون أنه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم! ولذا عندما أشيع حادث وفاة شابين سارع البعض خاصة الذين يحملون أحكاما سلبية مسبقة عن الهيئة إلى اتهامها، من قبل التثبت وانتظار ما يصدر من حكم في القضية. ما يعجب له أن هناك الكثير من الأخطاء التي تسجل ضد جهات حكومية كثيرة، وهو أمر وارد في أي عمل إنساني، فهناك أخطاء طبية وأخطاء أمنية وأخطاء تعليمية وهكذا في كل القطاعات، ومع ذلك يتم التركيز على أخطاء الهيئة والتطاول عليها والاستهزاء والتقليل من قدر القائمين عليها. لا أحد ينكر أن قلة من أعضاء الهيئة يقعون في أخطاء وهو نتيجة حتمية للاحتكاك بالجمهور وتنوع وتعدد الأوضاع التي تواجههم. هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التغاضي عن أخطائها، ولكن لا بد من وضع الأمور في إطارها وسياقها الصحيح وعدم تحميلها ما لا تحتمل. معظم الذين ينتقدون الهيئة يتحدثون بسلبية مغرقة بالكراهية ويكون حديثهم انتقاما وليس انتقادا إيجابيا. فلا يقدمون مقترحات لتطويرها ولا أفكارا لتحسين أدائها، وإنما غايتهم إغلاق الهيئة للأبد، لأنهم لم يستوعبوا أهمية شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحقيق خيرية الأمة! أي بتعبيرهم اللحاق بركب الدول المتقدمة والانعتاق من حال التخلف.
ستظل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رغم الأخطاء والتحديات والمعوقات أحد مرتكزات الحفاظ على الأخلاق العامة وسبيلا للنصح والإصلاح والتصحيح الاجتماعي. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آلية للتغذية العكسية ومرآة تعكس ما يحدث في المجتمع وتكشف خباياه وترفع درجة الوعي بحالته الأخلاقية. وسيكون من الخطأ تحجيم دورها أو تقليل دورها، فهذا سيكون إيذانا بتفشي الظواهر الأخلاقية السلبية في مجتمع عرف عنه الصلاح والخيرية، وكما يقول شوقي: ''إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي