الصين الصاعدة تواجه عواصف التغيّر الثقافي الرأسمالي

الصين الصاعدة تواجه عواصف التغيّر الثقافي الرأسمالي

يجعلك مصنع كوبر شينغشان للإطارات في شرق الصين تشعر بأن المكان يعود ببطء إلى الحياة بعد حصار طويل. بعد ثلاثة أشهر من قيام قوة العمل المكونة من خمسة آلاف عامل، من ذوي الزي الأزرق الغامق، بوضع أدواتها جانباً احتجاجاً على الاستحواذ المقترح من شركة هندية منافسة على مصنعهم الأم في الولايات المتحدة، عادوا إلى مواصلة أعمالهم. ولكن لا يزال الدليل على إضرابهم الصناعي المتواصل منتشراً يزين أرجاء المجمع.
أما في المدخل الرئيس مباشرة، فقد سيطر اتحاد عمال المصنع على لوحة إعلانات كبيرة، ثبّتوا عليها رسالة طويلة تعارض البيع الوشيك لشركة كوبر للإطارات والمطاط في ولاية أوهايو، إلى شركة أبولو تايرز الهندية مقابل 2.5 مليار دولار. وفي أماكن أخرى تشاهد لافتات كبيرة حمراء وبيضاء تشجع العمال على مواصلة نضالهم ضد الصفقة – التي يمكن أن تكون أكبر عملية استحواذ هندية على شركة أمريكية.
بدأت قبضة شركة كوبر على المصنع، الذي هو مشروع مشترك مع مجموعة شينغشان في مقاطعة شاندونج، تتلاشى تدريجياً، منذ أن أعلنت شركة أبولو الهندية عن هذه الصفقة في حزيران (يونيو). مُنع العديد من مديري شركة كوبر من الدخول إليه، على الرغم من امتلاك الشركة الأمريكية في أوهايو نسبة 65 في المائة من أسهم المصنع.
يقول التنفيذيون في شينغشان، الذين يُعارضون بقوة بيع المصنع، إن اتحاد العمال لن يسمح لكل من العضو المنتدب، والمدير المالي، ومدير الموارد البشرية، الذين عينتهم شركة كوبر، بدخول مرافق المصنع. وفي يوم 30 من آب (أغسطس) رفعت شركة كوبر دعوى أعلنت فيها أن العاملين يمنعون دخول ممثلين معينين من الشركة، وأنهم يرفضون تسليم معلومات مالية معينة ومعلومات تتعلق بالأعمال.
الخلافات العمالية شائعة في الصين. منذ ثلاث سنوات حين شن عمال في جنوب الصين حملة ناجحة للفت الأنظار إلى أجورهم ومطالبتهم برفعها في مصانع تشغلها شركة السيارات اليابانية هوندا وشركة فوكسكون، الشركة التايوانية المتعاقدة لصناعة أجهزة أبل، أسرع نظراؤهم عبر البلاد إلى الإضراب للمطالبة بحقوقهم، على الرغم من بقاء الرغبة في تأسيس شبكة اتحاد عمال وطنية مستقلة، حلماً بعيد المنال.
ولكن يبدو أن الإضراب الصناعي الصيني ذهب كثيراً مسافة أبعد من مجرد خلاف بسيط بين العمال والإدارة حول الأجور وأحوال العمل. إنه تحرك يستهدف مخطط استيلاء شركة أبولو على شركة كوبر، والذي سيخلق سابع أكبر شركة لصناعة الإطارات في العالم من حيث الإيرادات. الذي يحدث هو أن القوة العاملة مع شركة كوبر في شاندونغ مصممة على إفشال صفقة بيع كبيرة عابرة للحدود، حيث لا يقيم المشتري ولا البائع على الأرض الصينية.
حين وعدت شركة كوبر العمال بتقديم ثلاثة آلاف رينمنبي (488 دولاراً) كعلاوة لكل عامل مقابل إنهاء هذا الإضراب الصناعي، رفض الاتحاد هذا العرض. وقال أحد المشاركين في الصفقة: ''هذه حالة لافتة للنظر جداً، إنه عمل خارق''.
استشهدت قوة العمل في مصنع كوبر في شاندونع بقضايا من قبيل الرفع المالي الذي سيمول الصفقة، والذي يعتقدون أنه يمكن أن يُعرِّض مستقبل الشركة للخطر، وكذلك مشكلة الصدامات الثقافية المحتملة مع مالك هندي جديد. يقول يو شونكسو، رئيس مجلس إدارة اتحاد المصنع: ''الجميع قلقون من قضية الديون''.
يجادل المدافعون عن الصفقة بأن مستوى الدين يتفق مع عمليات الشراء السابقة بالديون في القطاع. كما أنهم يشيرون إلى أن البنوك الداخلة في العملية – وهم ستاندارد تشارترد ودويتشه بانك وجولدمان ساكس ومورجان ستانلي – غير قادرة على حجز الموجودات لدى شركتي أبولو وكوبر لمدة خمس سنوات، حتى لو عانت الشركتان صعوبات في سداد ديونهما، ما يعطي الوقت اللازم للمزاوجة بين شركة أبولو في الهند وإفريقيا وأوروبا وبين عمليات شركة كوبر الصناعية وشبكات توزيعها الراسخة في الولايات المتحدة والصين.
توسعت شركة كوبر بشكل نشط في الأسواق الخارجية، بعد بيع أعمالها في صناعة السيارات في عام 2004 للتركيز على صناعة الإطارات. إضافة إلى مشروعها المشترك في شاندونغ، فهي تشغل مصنعها الكائن في كونشان في مقاطعة جيانكسو، الذي تمتلكه بالكامل، وهو المصنع الذي لم يشهد أي توقف عن العمل منذ الإعلان عن صفقة شركة أبولو. كما يقع المصنعان الواقعان في الصين في قلب شبكة التصنيع والتوزيع التابعة لشركة كوبر فيما وراء البحار، وهما يشكلان معاً 30 في المائة من إجمالي إيراداتها ونحو 40 في المائة من أرباح المجموعة.
تقول شركة كوبر: ''حيث إنه لا يوجد تداخل جغرافي تقريباً، والقليل من التداخل في عرض المنتجات، سيسمح هذا الدمج المتوقع للمرافق بالبقاء في حالة تشغيل، مع إبقاء القوة العاملة على حالها واحترام اتفاقيات العمل الموقعة. يبدو أن البعض يتجاهل هذه المنافع، ويغمض أعينه عن فرصة تكوين قائد جديد له مستقبل لامع في صناعة الإطارات''.
كما أن إدارة مصنع شينغشان والعمال الصينيين العاملين فيه قلقون من اضطرارهم لتحمُّل جولة أخرى من آلام النمو مع مالك هندي جديد. يقول كمال رونجتا من مؤسسة إي جى ماكاي، وهي مؤسسة استشارية تركز على الصفقات الهندية-الصينية : ''لا يزال هناك من ينظر في الصين إلى الهند على أنها دولة نامية فحسب، وأن هناك بعض الآثار المترتبة على ذلك. عندما يكون الأمريكيون أو الأوروبيون في موقع السيطرة، يرتبط اسمهم بالاستثمار في تكنولوجيا جديدة وما إلى ذلك''.
واجهت صفقة كوبر- أبولو عقبات عمالية مماثلة في الولايات المتحدة، حيث فرض قرار التحكيم الأخير على الشركة الهندية التوصل إلى اتفاق مع اتحاد عمال الصلب، حول مخاوف أعضاء الاتحاد حول الأمن الوظيفي والعوائد. لا تزال المفاوضات متواصلة حول ذلك، ورتبت شركة كوبر اجتماعاً لحملة الأسهم بالتصويت على الصفقة في الأسبوع القادم.
من المتوقع أن ينجح التصويت، على أساس عرض شركة أبولو مبلغ 35 دولاراً للأسهم التي كان يجري تداولها بأقل من 25 دولاراً للسهم. ولكن بعد أن وصلت في البداية لسعر السهم المعروض، انخفضت أسعار الأسهم إلى ما دون 30 دولاراً للسهم، بسبب مخاوف المساهمين من عدم قدرة شركة كوبر على إتمام الصفقة قبل نهاية السنة، وهي المهلة المحددة لذلك. من بين الذين يأملون في الربح الملياردير الأمريكي المستثمر جون بولسون، الذي يُعتبر الآن أكبر مساهم في كوبر، بحصة تبلغ نسبتها 7.7 في المائة.
يقول العاملون في شركة كوبر في شاندونج إنهم لن يغيروا رأيهم إلا إذا تخلت الشركة عن صفقتها مع شركة أبولو. وحتى مع ذلك، هناك استياء من عدم وضوح الطريقة التي ستُصلح فيها كوبر علاقتها مع مصنع شينغشان، الذي طلب من محكمة محلية النظر في حل المشروع المشترك. وكانت المحكمة رفضت أخيراً محاولة شركة كوبر لتحويل الخلاف إلى هيئة تحكيم في هونج كونج، ومن المرجح أن تصدر حكماً حول مصنع شينغشان في تشرين الأول (أكتوبر).
قال شي هونغزي، رئيس مجلس إدارة شينغشان، في مقابلة أُجريت معه هذا الأسبوع: ''لم تأخذ شركة كوبر في الاعتبار مصالح مصنع شينغشان ولا العاملين فيه. إنهم لا يكترثون بما إذا بقي المشروع المشترك على قيد الحياة أو يموت في المستقبل. عندما قرروا بيع الشركة أخذوا في الاعتبار مصالحهم فقط''.
شركة كوبر ترفض هذا الزعم. وتقول الشركة: ''لقد حاولنا الحوار مع الاتحاد، والشريك في المشروع المشترك، والعمال، ولكن تم تجاهل الأمر أو رفضه في مناسبات متعددة''. وتضيف أن الدعوى القضائية لشينغشان ''لا تستند إلى أساس قانوني'' وأن شركة كوبر ''سوف تدافع بقوة ضد ذلك''.
تقول شركة أبولو: ''إن المزايا الاستراتيجية لمجموعة أبولو مع شركة كوبر واضحة. مجموعة أبولو تتطلع إلى العمل مع شركة كوبر وممثلين عن مجموعة شينغشان واتحاد عمال الصلب لحل هذه المسائل''.
وعلى النقيض من مديري معمل كوبر، لم يكن لدى تشي أي مشاكل حيال دخول المصنع في رونغتشنغ، وهي مدينة ساحلية صغيرة على طرف شبه جزيرة شاندونغ، حيث أتاح بفخر لصحيفة فاينانشيال تايمز جولة في المصنع. تشتمل منطقة الاستقبال الرئيسة للزوار على مجموعة كبيرة من شاشات الفيديو، كل واحدة من هذه الشاشات تعرض لقطة حية من الأنشطة في مجالات مختلفة من المصنع، وصور لمسؤولي شينغشان وهم يستقبلون شخصيات مهمة جداً مثل تشانغ جاو لى، عضو في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي في الحزب الشيوعي الحاكم، ورئيس الوزراء السابق لي بنغ.
ويقول ما روفو، وهو عامل عمره 50 سنة وعضو في الاتحاد: ''من وجهة نظري تعتبر شركة كوبر الأب ونحن الأبناء. لكن الشركة قد فشلت في أداء واجبها بمثابة الأب، ولذا فإننا سوف نقوم بقطع العلاقة. هم في الخارج ونحن في الداخل. لقد غيرنا الأقفال في منزل العائلة، ولن نسمح لهم بالعودة مرة أخرى''.
ووفقاً لاتحاد عمال شركة كوبر في الصين، أبلغ المشروع المشترك في عام 2012 عن أكثر من1.1 مليار دولار في الإيرادات، وبلغت الأرباح قبل الضرائب 107 ملايين دولار، وهو ما يمثل أكثر من ربع إجمالي إيرادات وأرباح المجموعة.
يقول تشي إن هذا الأداء كان بشق الأنفس. تم تشكيل المشروع المشترك في عام 2006، وكافح لمدة أربع سنوات في الوقت الذي انخفض فيه متوسط الأرباح السنوية من 200 مليون رنمينبي إلى 140 مليون رنمينبي وتعلّم الشريكان كيفية التغلب على ''الاختلافات الثقافية''. يقول تشي: ''قلت لهم في ذلك الوقت، ترتدون الملابس الغربية وتتحدثون الإنجليزية وتأكلون الطعام الغربي. لقد جئتم لإدارة عمالنا المحليين والتفاعل مع عملائنا ومصارفنا ومسؤولينا الحكوميين، لكنكم لاتتواصلون بحق معهم''.
وقال تشي إنه علِم عن ''نية'' شركة أبولو شراء شركة كوبر للمرة الأولى في أيار (مايو) ولكنه لم يُعطَ أي تفاصيل حول هذه الصفقة. وحين أُعلِن عن الصفقة رسمياً يوم 12 حزيران (يونيو)، كان رد فعل العمال فورياً. وقال روفو: ''خرجنا من المصنع في الساعة الواحدة من عصر يوم 12 حزيران (يونيو) وعقدنا احتجاجاً صغيراً''.
وفقاً لأشخاص مطلعين على الصفقة، فوجئ روي آرمز، رئيس مجلس إدارة شركة كوبر، بالمشاعر العدائية التي واجهها عندما سافر إلى شاندونغ بعد ذلك بأسبوع. ونتيجة لذلك، تقرر أنه سيكون من غير الحكمة لرئيس مجلس إدارة شركة أبولو، أونكار كانوار، إجراء زيارة متابعة لهذا المصنع.
وحين انهارت المحادثات بين الاتحاد وممثلي كوبر، أضرب العمال. وفي مسعىً لتقليل الأضرار المالية على شينغشان، بالنظر إلى أنه يشكل حصة 35 في المائة في الشركة، وافق العمال على العودة إلى المصنع في آب (أغسطس) بشرط ألا ينتجوا إلا إطارات بالعلامة التجارية لشينغشان وفي الوقت نفسه مقاطعة أي عمل على إطارات شركة كوبر.
سارت الأمور بصورة أكثر سلاسة بالنسبة لشركتي كوبر وأبولو في أوهايو، على الرغم من مخاوف اتحاد عمال الصلب حول الصفقة. وفي الشهر الماضي قال رودني نيلسون، رئيس الفرع المحلي رقم 207 في الاتحاد: ''هذا تغير كبير بالنسبة إلينا. هناك مصادر كثيرة للقلق حول مستقبلنا والمسار الذي سيكون علينا اتخاذه''.
أدت زيارة كانوار إلى تخفيف عدد من مخاوف نيلسون، الذي أضاف قائلاً: ''أخبرنا كيف أنه ذهب إلى الجامعة وعاش في توليدو، التي تقع مباشرة على الطريق العام I-75. كان يبدو في غاية الإخلاص وواثقاً مما أرادوا القيام به. وقال لنا إن الشركة تعتزم الإبقاء على معامل كوبر على حالها في الوقت الحاضر. جاءوا مع ديك سيليست، حاكم أوهايو. وهذا أثار إعجابنا على اعتبار أنه مسؤول حكومي موثوق.''
وأضاف: ''لدينا مواضيع خلافية، لكننا نسعى إلى حل. لا خلاف بيننا وبين شركة أبولو. وسنعمل على حل مشاكلنا''.
في شاندونج تستمر المشاعر في التصلب. يجادل يو بقوله: ''لا فائدة من الحديث مع شركة أبولو. لقد كانوا دائماً يقولون إنهم سيواصلون الصفقة إلى النهاية، بالتالي فما الذي بقي لنتحدث حوله؟ إذا قالوا إنهم راغبون في إيقاف الصفقة، عندها نستطيع الحديث''.

الأكثر قراءة