رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


إدارة المالية الحكومية.. صعوبات

كان آباؤنا وأجدادنا قبل عصر النفط يعيشون في مستوى معيشي منخفض جدا. كانت صفة الفقر صفة تسود بين السكان. إلا أن الأوضاع تغيرت وانقلبت بعد النفط. من الله علينا بالثروة النفطية، ففتحت علينا الدنيا من أوسع أبوابها.
كيف فتحت؟ عبر الإنفاق الحكومي؛ ذلك لأن الثروة النفطية من الملكية العامة، وهذا الوضع أعطى الدولة مزيد قوة، وفي الوقت نفسه فرض عليها مزيد مسؤوليات.
طبيعة الدخل النفطي جعل المالية العامة تحت تقلبات شديدة مرورا بفترات طفرة وثبات وركود. ومن الصعب التنبؤ به جيدا.
الوضع السابق يستوجب رسم وتطبيق سياسة مالية عامة fiscal policy تعمل على توزيع ''تخصيص'' allocate الموارد المالية بصورة تتصف بأنها متوازنة، تعزز استقرار الاقتصاد الكلي الوطني، وتسهم بفاعلية في تحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستدامة sustainable economic growth، وتقبل الرسوخ sustainable، وتتكيف مع الظروف الاقتصادية بأفضل ما يمكن.
وينبغي تحليل الرسوخ وفقا للظروف الاقتصادية الكلية والمالية داخل البلاد وخارجها. ويعتمد الرسوخ على كيفية تطور الاقتصاد، والأوضاع الاقتصادية الدولية. ويمكن النظر للموضوع من زاوية أخرى. يعتمد الرسوخ أيضا على كيفية نمو الإنفاق العام.
كيفية نمو الإنفاق العام تعتمد في جزء كبير على تحقيق رغبات وتطلعات الناس. الإشكال أن الناس يميلون إلى نظر قصير المدى، يراعي المصلحة العاجلة دون البعيدة. ولهذا تنشأ صعوبات في إدارة المالية العامة وتخطيط الميزانية والتخصيص (التوزيع الكفء) efficient allocation للموارد في ظل تقلب أسعار وإيرادات النفط. على سبيل المثال، فرضت أوضاع إيرادات النفط في التسعينات من القرن الميلادي الماضي على الحكومة السعودية إعادة النظر في استراتيجيات التنمية. فبدلا من استهداف معدلات نمو مرتفعة، وتنويع صناعي، فإن الاهتمامات الرئيسية للحكومة انصبت على المحافظة قدر المستطاع على مستويات الاستهلاك. وكان لهذا أثره على الإنفاق الرأسمالي والإنفاق على أعمال التشغيل والصيانة، ما أدى إلى تقلبات في أنماط النمو.
وقد أسهمت إدارة المالية العامة على المدى القصير خلال تلك الفترة في زيادة الضعف. فقد ارتفع العجز الأساسي غير النفطي في البداية إلى ما يزيد على 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، ولكنه انخفض تدريجيا، بسبب التخفيض الحاد في الإنفاق الأساسي. وجاءت العجوزات الأساسية غير النفطية الكبيرة، ولكن المتناقصة مصحوبة بزيادة حادة في الدين العام، حيث قارب 800 مليار ريال قبل نحو عشر سنوات، أي تجاوز 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ورافقتها خسارة في صافي الاحتياطيات الدولية خلال جزء كبير من التسعينات.
مع ارتفاع أسعار النفط وتحسن أوضاع المالية العامة حاليا، فإنه يخشى من تكرر سياسات الإنفاق إبان التزايد الحاد في الإيرادات خلال الفترة 1974 - 1981. وفرة المال ضغطت في اتجاه تسارع الإنفاق، وتزامن مع الوفرة والتسارع تدني الوعي العام بحسن الترشيد في إنفاق الموارد المالية. وقد تسارع الإنفاق الحكومي آنذاك أضعافا مضاعفة في بضع سنين، كما لو إيرادات النفط ستبقى دوما في ارتفاع.
وخلاف المشكلات السابقة، هناك ضعف واضح في ضوابط الالتزامات. تتسم عمليات الميزانية بإنفاق أعلى من المبالغ المقرة في الميزانية عند اعتمادها من مجلس الوزراء. وهناك عوامل خلف ذلك من أهمها تذبذب الإيرادات مصحوبة بضعف أو اختلال الضوابط الحاكمة للالتزامات. لا تتوافر في الحكومة نظم وآليات متقدمة لمراقبة الالتزامات وتوزيع المخصصات.
وتعمل رغبات الناس الآنية دون تفكير عميق في المستقبل البعيد على زيادة حدة المشكلة. تلك قضية مهملة من المجتمع. الناس إلا قليلا تطلب ما لها، لكنها تتجاهل ما عليها. بل تتجاهل عمليا الخلاصة التي انتهت إليها عدة دراسات تقول إن وفرة الموارد لا تعني تحقيق نمو اقتصادي متين.
المشكلات السابقة تتطلب جهودا قوية لتطوير وتحسين إدارة المالية الحكومية. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي