ثلاثة .. في ذاكرتي
.. أيام الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، زاملت بعض الأسماء التي أفصحت آنذاك عن مواهب في الرسم والخط والتصميم وكرة القدم، وتلاوة القرآن الكريم وحتى الغناء والموسيقى، وبالطبع في جيلي لم يكن هناك دراسة للموسيقى، ربما لأن بلادنا لديها اكتفاء ذاتي في فئة المطربين والموسيقيين. تعاقبت السنون، وما زال ثلاثة منهم لم يغادروا ذاكرتي.
أحدهم ناصر العبيد، مراهق موهوب في الرسم، في نصف ساعة يمكنه نقل وجه إنسان بكل ملامحه وتقسيماته على ورقة بيضاء، كأنه يصوره بعدسة كاميرا لا حدقة عين.
.. لم يكن لدينا آنئذ، مادة حقيقية تعنى بالرسم، بل مادة سقيمة تسمى التربية الفنية، غادرت سنوات الدراسة وأنا لا أحفظ اسم مدرس واحد لها.
.. بلغت الموهبة المهملة بناصر يومئذ، أن حوّلها إلى سلاح يقتص به ممن لا يحب، فلم يكن مستغربا أن نعود من الفسحة إلى الصف، لنجد وجه أستاذ الرياضيات -المادة التي لا يحبها العبيد- وقد احتفظ بملامحه الرئيسة مضافا إليها أذنا فأر وذيل كلب، أو رأس آدمي وجسد نملة، ولم نكن نحتاج إلى مساعدة لنعرف أن الفاعل هو ناصر العبيد.
.. عبد الرحمن العتيبي، لم يكن يحب الدراسة، يأتي الفصل لإكمال نومته التي قطعها والده في المنزل وهو يرسله إلى المدرسة ليتعلم، كنا نسميه الغوريلا، لضخامة جسده ولأن يومه يبدأ من الحصة قبل الأخيرة، حين يمد ذراعيه للجانبين ثم يطلق صوته المشابه للغوريلا، وكم مرة أفاق من نومه وفعل فعلته فكان جزاؤه الطرد مباشرة من الفصل. شيء واحد كان يحبه الدحمي -كما يناديه مريدوه- وهو الخط والتصميم، ولذلك كانت طاولته في المدرسة مزارا للعشاق، تحفل بالكثير من بيوت الشعر المكتوبة بخط لافت جذاب. في إحدى المرات خسرت مدرستنا مباراة كرة قدم أمام مدرسة أخرى، لا أنسى يومها وأنا أحد أعضاء الفريق حين استقبلنا الدحمي بورقة كبيرة كتب عليها بخط جميل ساحر عبارة ساخرة: "الدراسة خير من الكورة"، وهو أبعد ما يكون عن كليهما.
ثالث الثلاثة الراسخين في ذهني، مسفر البيشي، شاب جنوبي هادئ، لا تسمع له صوتا في الصف، ويتحول إلى شخص آخر في الملعب، يشغل مركز حراسة المرمى في منتخب المدرسة، بنية رياضية فريدة، مرونة عالية، إذا ما حلّق لالتقاط كرة ما، كنا نكتفي بالمتابعة بدهشة، فاغري الأفواه، ولسان حالنا: كيف يستطيع أن يفعل ذلك. موهبته اللافتة، تتيح له كل عام المشاركة في ثلاثة دوريات رمضانية في الشهر نفسه، وكان مدرس التربية الرياضية، يهتم به ويَعِدُهُ في كل عام بنقله إلى أحد أندية العاصمة، ولم يفعل.
ناصر العبيد، لم أقابله منذ غادرت تلك المرحلة، وانقطعت أخباره، عرفت من صديق مشترك أنه أنهى الثانوية والتحق بالعسكرية برتبة وكيل رقيب وأن آخر وجه رسمه كان لمدرس التربية الفنية نفسه، مضافا إليه أذنا أرنب، العتيبي لم يكمل الثانوية، ولم يلتحق بوظيفة، افتتح محلا للخط وتصميم اللوحات، في إحدى سفراتي انتبهت إلى شاب يناديني في المطار، سلم علي ثم ابتسم وصاح في: ما عرفتني يا مغرور، أنا الغوريلا الدحمي. كان شخصا مختلفا، قال لي يومها إن نشاطه في الخطوط يتصاعد وأنه يفكر في إنشاء شركة للتصميم والخط والإبداع، وأنه مستمتع بممارسة شيء يحبه.
مسفر البيشي، أكمل دراسته وخلع قفازي الموهبة، هو الآن ضابط مهم في القوات المسلحة السعودية. تعاقبت السنوات وما زالت مواهب الثلاثة راسخة في ذهني، ومثلهم كثير مروا بك قارئي العزيز، بعضهم وجد الرعاية، وبعضهم وئدت موهبته في مهدها.
.. وأنا أتابع منتخبينا الأولمبي والناشئين في بطولتي الخليج الأخيرتين، رأيت أكثر من عشرة لاعبين يمكن أن يكونوا نجوما استثنائيين، وتساءلت في نفسي: هل يعرف اتحاد الكرة أن لديه هذه المواهب؟ وهل لديه مشروع واضح لرعايتهم؟